ه - : مطابقة المعاني الارتكازيّة على أصل الوضع
كثيراً ما ينجرف أبناء اللغة العربيّة في تشخيص معاني المفردات بالاعتماد على ما ارتكز في أذهانهم ، غير مُلتفتين إلى حقيقة خطيرة جدّاً ، وهي أنَّ الكثير من المعاني المرتكزة في أذهانهم هي وليدة الاستعمال العرفي لا الوضع اللغوي ، وبالتالي ينصرف الذهن العرفي إلى معانيه التي كان هو علَّة فيها ، وتغيب المعاني الأصليّة ، وهذا ما يُشكِّل سابقة خطيرة ، لاسيَّما إذا كان النصّ المقروء هو النصِّ الديني الذي تترتّب عليه أُمور الدنيا والآخرة .
ولعلَّ من أشهر هذه الموارد ما وقع فيه بعض المفسِّرين في توجيه كلمة : « ناظرة » في قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ( القيامة : 23 ) حيث فُسِّرت بالإبصار الحسِّي ، وهو المعنى الارتكازي للمفردة ، أو ما نُسمّيه نحن بالمعنى الظاهري والأوّلي لها ، مع أنَّ القرينة العقليّة مانعة من ذلك ؛ لاستحالة تحقّق الرؤية مطلقاً ، فتنصرف المفردة إلى المعنى الآخر وهو انتظار الرحمة ، ونحن لا نرى ذلك ضرباً من المجاز لأنَّ القرآن الكريم استحدث لها هذا المعنى الجديد بلحاظ القرينة العقليّة ، وهذا الاستحداث القرآني هو ما يُطلق عليه علماء أُصول الفقه بالحقيقة الشرعيّة ، والذي يُمكن أن نُطلق عليه في المقام بالحقيقة القرآنيّة ، لإخراج ما استحدثته السنّة الشريفة ، ولا ينبغي أن يتوهّم أحد بأنَّ القرينة العقليّة الصارفة تدلّ على المعنى المجازي ، فإنَّ شرط المجازيّة وجود القرينة الصارفة ، ولكنَّ وجود القرينة لا يلزم منه تحقّق المجاز ، ولعلنا نُوفَّق في أبحاث أُخرى لتأصيل هذه الفكرة التي غابت عن الكثيرين من أرباب الفنّ والصنعة « 1 » .
هامش
( 1 ) منطق فهم القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 320 - 322 .