تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 991

مساهمون:

ص٩٩١
الناس ؛ فإذا نصب الباري تعالى شخصاً لتنفيذ الحكم الإلهي حاز على حقّ الحاكمية وإجراء حدود الله تعالى ، وليس للناس الاعتراض على ذلك ؛ لأنّ مشروعية الحاكم الإلهي مستمدّة من الله تعالى لا من آراء الناس ، وليس للناس الحقّ في مبايعة أو انتخاب شخص ؛ لأنّ الحاكمية شأن من شؤون الله تعالى وهو الذي له الحقّ في تنصيب شخص أو تعيينه لهذه المهمّة . ولهذا نجد أنّ الشارع عندما شرّع الصيام والصلاة وغيرها أوجب على الناس امتثال هذه الأحكام ، وللشارع أن يقيم الحكم على من يعصي هذا الأمر الإلهي ، ولا تتوقّف إقامة الحكم على مبايعة الناس . كذلك الأمر في الأموال العامّة كالأراضي والغابات الجبال والصحاري وما يُستخرج من نفط وغاز وذهب ونحاس وغيرها من المعادن ، فهي ليست ملك للناس حتى يكون لهم الحقّ في توكيل الأمر إلى شخص ينتخبونه حاكماً لهم ، وإنّما هي ملك لله تعالى ، بل الكون بأسره ملك له تعالى ، والبشر شأنهم كسائر المخلوقات في عالم الوجود مملوكون له جلّ وعلا ، لا إذن لهم بالتصرّف بهذا الكيان من دون ترخيص من المالك الحقيقي ، فلا يحقّ للإنسان التصرّف حتى بنفسه ناهيك عن الآخرين . فعلى سبيل المثال : لا يجوز لنا إلحاق الضرر بأيدينا أو عيوننا ؛ لأنّ كلّ شيء لله تعالى ، وإذا ما فقدنا حقّ التصرف بأنفسنا فأنّى لنا التصرّف في حقّ الآخرين ، فلو أنّ شخصاً ارتكب جريمة ما لأيّ سبب من الأسباب فلا يحقّ لأحد مساءلته أو معاقبته ، إلّا من أذِن له المالك الحقيقي . إذاً الحاكم في النظرية القرآنية وليّ عن الله تعالى وليس وكيلًا عن الناس ، نظير ولاية للأب على ابنه ، فالله تعالى هو الذي جعل ونصب الأب وليّاً على الطفل ، والطفل لم يجعل ولاية الأب عليه ، وهذا بخلاف النظريات البشرية الأخرى التي تعتبر الرئيس ممثّلًا عن المنتخب ، ووكيلًا له ، ويمكن للمخوّل أن يعزله أو يطالبه بشيء ونحو ذلك .