للإمكانات المادّية في حياته ، وهذه مسألة طبيعية ومنطقية وأمر وجدانيّ يلحظه الجميع ، فإنّ الإنسان كلّما تطوّر في العلوم المادّية يزداد تسخيره للإمكانات الموجودة في الطبيعة .
الأمر الثاني : كلّما ازداد الإنسان تسخيراً للإمكانات المادّية زادت حاجاته ، ومن ثمّ زاد استخدامه للآخرين ، وبذلك تتولّد تعقيدات جديدة في العلاقات الاجتماعية ؛ لأنّ الإنسان عندما يزداد تسخيره للإمكانات المادّية لأجل حصوله على الرفاه ، تكون حاجته لتسخير الآخرين أكثر ، كما نلمس ذلك عندما نقارن بين الناس الذين يعيشون في المدن والناس الذين يعيشون في القرى ، حيث نجد أنّ أهل القرى تكون حاجاتهم إلى الطبيعة أقلّ بكثير من احتياجات الإنسان الذي يعيش في المدينة ، وهذا الاحتياج يؤدّي إلى استخدام الآخرين ، وبذلك تنشأ التعقيدات في العلاقات الاجتماعية ، من قبيل مسألة تقسيم المياه بين البلدان ، إذ تعدّ من المسائل التي يحتدم النزاع فيها في الأجيال القادمة . فقبل وجود هذه الحاجة لم يكن أيّ نزاع واختلاف ، إذاً كلّما ازدادت حاجة الناس إلى هذه المسائل تعقّدت المسائل الاجتماعية ، وكلّما تعقّدت المسائل الاجتماعية احتاجت إلى قوانين أكثر وأدقّ لتنظيم الحياة الاجتماعية ، لرفع التنازع والاختلاف بين أبناء البشر .
فهنالك تناسب طرديّ بين تعقّد الحياة الاجتماعية وبين الحاجة إلى الدين وإلى قانون لرفع النزاع الموجود في الحياة الاجتماعية « 1 » .
هامش
( 1 ) في هذا الضوء يمكننا أن نفسّر الروايات التي تشير إلى أنه كلّما مرّ الزمان ازدادت حاجة الناس إلى الإمام ؛ لأنّ الإنسان في تطوّر مستمرّ ، وكلّما تطوّر أكثر تعقّدت حياته الاجتماعية أكثر ، وكلّما تعقدت الحياة الاجتماعية كان الاحتياج إلى الدين أكثر ؛ ولذا نجد الجميع ينتظر المنجي والمنقذ والمصلح ؛ لأنّ الحياة والتجارب أثبتت عدم قدرة البشر على إنقاذ أنفسهم من هذه التعقيدات والنزاعات ، فالجميع ينتظر المنجي ليملأها عدلًا وقسطاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً .