عن القانون الإلهي ، فهل يجب بالضرورة أن يكون منسجماً ومتلائماً مع الفطرة ؟
في الجواب على ذلك نقول : إنّ قوانين الدين لا يمكن فرضها على الفطرة الإنسانية فرضاً وإنّما لابدّ أن تكون منسجمة مع فطرة الإنسان ، فلو جاء القانون على خلاف فطرة الإنسان ، فلا يمكن لهذا القانون أن يصلح الفطرة ؛ ولذا عبّر القرآن الكريم بأنّ الدين فطريّ ، قال تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ( الروم : 30 ) .
فالدين إنّما جاء لحلّ الخلاف والنزاع الذي دفعت إليه الفطرة ، فلابدّ أن يكون الحلّ بأمر فطريّ أيضاً .
وقد تقدّم أنّ الفطرة التي فُطر الإنسان عليها ، هي فطرة التوحيد ، فلابدّ أن تكون كلّ أحكام الدين تدور حول التوحيد . وهو الأصل في كلّ المعارف ، فيجب أن يكون التوحيد مرجعاً في كلّ شيء ومنطلقاً لجميع النظم والرؤى ، بحيث يلقي بظلاله على كلّ مرافق الحياة من تشريعات وآداب . ويمثّل التوحيد موقع الينبوع الذي تنتهل منه الأحكام والتشريعات ، فالتوحيد صبغة الحياة صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ( البقرة : 138 ) وهو أمّ المسائل ومحور جميع الحقائق الدينية والأصول الأخلاقية في الإسلام .
ازدياد الحاجة إلى الدين بتعقّد الحياة الاجتماعية
بعد أن انتهينا من بيان الدليل الثاني لإثبات حاجة الإنسان إلى الدين نقول : إنّه كلّما تعقّدت الحياة الاجتماعية زادت حاجة الإنسان إلى الدين . ولأجل تسليط الضوء على هذه الحقيقة لابدّ من بيان أمرين :
الأمر الأوّل : أنّ الإنسان كلّما تطوّر علمياً وتكنولوجياً ازداد تسخيره