تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 940

مساهمون:

ص٩٤٠
لكن من جهة أُخرى نجد أنّ القرآن لا يجعل العبادة هي الغاية النهائية لخلق الإنسان ، بل يجعلها غاية متوسّطة ، ويرتّب عليها غايات أُخرى ، من قبيل ما ورد في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( البقرة : 21 ) ، حيث جُعلت التقوى هي الغاية والهدف من العبادة التي خُلق الإنسان لأجلها ، وهذا معناه أنّ التقوى هي الكمال المطلوب للإنسان ، والعبادة هي التي تهيّئ الأرضية للوصول إلى هذا الكمال . قال الرازي في ظل هذه الآية : « العبادة فعل يحصل به التقوى ، لأنّ الاتّقاء هو الاحتراز عن المضارّ ، والعبادة فعل المأمور به ، ونفس هذا الفعل ليس هو نفس الاحتراز عن المضار ، بل يوجب الاحتراز ، فكأنّه تعالى قال : اعبدوا ربّكم لتحترزوا به عن عقابه . وإذا قيل في نفس الفعل أنّه اتّقاء ، فذلك مجاز ، لأنّ الاتّقاء غير ما يحصل به الاتّقاء ، لكن لاتّصال أحد الأمرين بالآخر أجرى اسمه عليه » « 1 » . لكن مع هذا لا يمكن أن تكون التقوى هي الهدف النهائي والغاية القصوى من خلق الإنسان ؛ لما تقدّم بيانه أنّ التقوى إنّما هي زاد المسير إلى لقاء الله تعالى والقرب منه ، ولا يمكن لما هو زاد السفر أن يكون هو الهدف . إن الهدف النهائي والغاية الأخيرة من العبادة والتقوى ، هو الوصول إلى لقاء الله تعالى : فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ( الكهف : 110 ) . لذا نجد القرآن الكريم يعبِّر عن أولئك الذين كفروا بلقاء ربّهم أنّهم الأخسرون أعمالًا ؛ قال تعالى : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ( الكهف : 103 - 105 ) .
هامش
( 1 ) التفسير الكبير ، ج 2 ص 101 .