الإنسان إلهاً واحداً سرمدياً ، لا يعزب عن علمه شيء ، ولا يُغلب في قدرته عن أحد ، خَلَقَ الأشياء على أكمل نظام لا لحاجة منه إليها ، وسيعيدهم إليه فيحاسبهم ، فيجزي المحسن بإحسانه ، ويعاقب المسئ بإساءته ، ثمّ يخلدون منعَّمين أو معذَّبين .
ومن المعلوم أنّ الأخلاق إذا اعتمدت على هذه العقيدة ، لم يبق للإنسان همّ إلّا مراقبة رضاه تعالى في أعماله ، وكانت التقوى رادعاً داخلياً عن ارتكاب الجرم ، ولولا ارتضاع الأخلاق من ثدي هذه العقيدة ، عقيدة التوحيد لم يبق للإنسان غاية في أعماله الحيوية إلّا التمتّع بمتاع الدنيا الفانية والتلذّذ بلذائذ الحياة المادّية « 1 » .
التقوى غاية العبادة
وخلص سماحته إلى أن التقوى غاية العبادة . ذلك لأنّ الله سبحانه خلق الإنسان لأجل عبادته ؛ قال تعالى : ( الذاريات : 56 ) ، لذا أكّد القرآن أنّ من أهمّ أهداف بعثة الأنبياء والمرسلين ، الدعوة إلى عبادة الواحد الأحد قال تعالى وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( النحل : 36 ) ، وقال : وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ( مريم : 36 ) .
من الواضح أنّ هذه العبادة ليست هي إلّا لاستكمال الإنسان بها ، وإلّا فإنّه سبحانه لا نقص فيه ولا حاجة ، حتى يستكمل بعبادة أحد وترتفع بها حاجته . وببيان آخر : إنّ العبادة كمال للفعل الذي هو الإنسان ، لا كمال للفاعل الذي هو الحقّ سبحانه . قال تعالى : وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ( إبراهيم : 8 ) .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، ج 11 ص 155 بتصرّف .