ثم أورد مقولة للسيّد حيدر الآملي في تفسيره ( المحيط الأعظم ) يجعل للتقوى مراتب ومدارج وأقوال بحسب الظاهر والباطن ؛ يقول : « أمّا قول أهل الظاهر فالتقوى عندهم : عبارة عن الاجتناب عن محارم الله تعالى ، والقيام بما أوجبه عليهم من التكاليف الشرعيّة ، والمتّقي هو الذي يتّقي بصالح عمله عذاب الله ، وهو مأخوذ من اتّقاء المكروه بما يجعله حاجزاً بينه وبين السهم .
وأمّا قول أهل الباطن ، فالتقوى عندهم : عبارة عن الاجتناب المذكور مع ما أحلَّ الله تعالى عليهم من طيّبات الدُّنيا ولذّاتها ، على حسب طبقاتها ومراتبها إلّا بقدر الضرورة فضلًا عن الاجتناب عن محارمه » « 1 » .
ولكنّ سماحته يرى : أنّ البحث القرآني يثبت لنا أنّ المؤمن إذا اتّقى الله في كبائر الذنوب فإنّ الله تعالى يغفر له الصغائر ؛ ويستشهد بالآية الكريمة من قوله تعالى : ( الطلاق : 5 ) ، وقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( المائدة : 65 ) .
ويوافق الطباطبائيَّ في أنّ « المراد بالتقوى بعد الإيمان ، التورّع عن محارم الله تعالى واتّقاء الذنوب التي تحتم السخط الإلهي وعذاب النار ، وهي الشرك بالله وسائر الكبائر الموبقة التي أوعد الله عليها النار ، فيكون المراد بالسيّئات التي وعد الله سبحانه تكفيرها الصغائر من الذنوب ، وينطبق على قوله سبحانه : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً ( النساء : 31 ) . فيظهر من الآيتين أنّ المراد بالمحارم في قوله ( ع ) في تعريف التقوى : (
إنّها الورع عن محارم الله
) المعاصي الكبيرة » « 2 » .
وحيث إنّ سماحة السيد الحيدري بدأ كتابه بتمهيد تسلسل فيه من
هامش
( 1 ) تفسير المحيط الأعظم ، للسيّد حيدر الآملي : ج 1 ص 278 .
( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، ج 6 ص 37 ، ج 19 ص 317 .