تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 871

مساهمون:

ص٨٧١
الشيء شهادة لآخر لأنّه مشهودٌ له ، ومردّ ذلك إلى كون الأشياء لها حدود لا تنفكّ عنها ، فما كان خارجاً عن حدّ الشيء لا يكون مشهوداً له فيكون غيباً بالنسبة إليه ، وما كان داخلًا في حدّ الشيء فهو شهادة بالنسبة إليه ومشهودٌ له .

الجمع بين الآيات النافية لعلم الغيب لغير الله والآيات المثبتة

دلّت مجموعة من الآيات على انحصار علم الغيب بالله تعالى ؛ منها قوله تعالى : قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ( النمل : 65 ) ، وقوله : وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ . . . وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ . . . ( الأنعام : 59 ) وغيرها ، الظاهرة في أنّ علم الغيب منحصر به تعالى . وفي مقابل هذه النصوص هناك نصوص قرآنية أخرى أثبتت أنّ بعض عباده مستثنى من ذلك ، كما في قوله تعالى مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ( آل عمران : 179 ) ، وهي واضحة الدلالة على أنّ بعض عباده يطلعهم الله على الغيب ، وفي التعبير بالاجتباء إشارة إلى أنّ الوقوف على أسرار الغيب منصبٌ جليل تتقاصر عنه الهمم ولا يؤتيه الله إلّا لمن اصطفاه من عباده . وقد ذكرت في كلمات الأعلام معالجتان لذلك :

المعالجة الأولى : بالذات وبالغير

أن يقال إنّ الآيات الدالّة على انحصار علم الغيب بالله تعالى غايتها الدلالة على أنّ علم الغيب منحصر به تعالى بنحو الاستقلال وبالذات ، بمعنى أنّه ليس محتاجاً فيه إلى غيره أبداً ، وذلك لأنّ الله تعالى واجب الوجود بالذات وغنيٌّ عمّا سواه ، وعليه فهو مصدر ومنبع كلّ الكمالات ومنها علمه تعالى بكلّ شيء ، وهذا المعنى لا يشاركه فيه أحد ؛ لوحدة واجب الوجود بالذات . ومن الواضح أنّ هذا لا يتنافى ولا يتقاطع مع تلك النصوص القرآنيّة