وعلى ذلك اتّفق الفلاسفة والمتكلّمون - إلّا من شذّ من المعتزلة - على أن لا مؤثّر مستقلّ في الوجود إلّا الله تعالى وأنّ غيره مفتقر في الوجود والتأثير إليه سبحانه ، ضرورة أنّه لو كانت هذه الأسباب والفواعل الطبيعيّة مستقلّة في التأثير ، للزم أن تكون مستقلّة في الوجود أيضاً ، لبداهة أنّ الاستقلال في العلّية فرع الاستقلال في الوجود ، ولو سلّمنا الاستقلال في التأثير فلا محالة قد سلّمنا قبله الاستقلال في الذات ، وهو يساوق كون الشيء واجباً غنيّاً في العلّة ، وقد فرض أنّه ليس كذلك ، هذا خلف « 1 » .
وقد بادرنا سماحة السيّد الحيدري بالسؤال التالي حول نظريّة أهل البيت ( عليهم السلام ) في الفواعل الطبيعيّة وفي حقيقة تأثير الأسباب بمسبّباتها ، فأجاب قائلًا :
نعم ، تؤكّد نظريّتهم ( عليهم السلام ) من أنّ هناك طوليّة في الفاعليّة وليس هناك فاعل غير الحقّ تعالى مستقلّ في فاعليّته ، لأنّ الله عزّ وجلّ لا يمنح القدرة للسبب الطبيعي ثمّ ينعزل بل تتّسم العلاقة بالدوام ؛ لأنّ السبب قائم به حدوثاً وبقاءً ككلّ شيء في نظام عالم الوجود الإمكاني ، وهذا معنى أنّه تعالى « حيٌّ قيّوم » .
وقد توسّع السيّد الحيدري في سرد وتوضيح هذا النوع من الشفاعة معزّزاً رأيه بما ورد في القرآن الكريم من آيات تعزّز رأيه هذا .
كما أنّه لم يتوقّف عند الآيات التي تؤيّد مبدأ الشفاعة بل تعدّاها إلى الآيات التي تنفي الشفاعة ، بيدَ أنّ السيّد الحيدري يقول إنّما جاءت هذه الآيات في سياق نفي الشفاعة في نظام التكوين من دون الله تعالى . هذه الشفاعة التي يحاول أن يثبتها الوثنيّون والمشركون لشفعائهم ، ومن هذه الآيات قوله تعالى : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ
هامش
( 1 ) انظر الإعجاز بين النظريّة والتطبيق للسيّد الحيدري : ص 44 - 45 .