ثمّ ينقل الآملي قول العرفاء بأنّه ليس في الوجود سوى الله تعالى :
« ويعضد ذلك قول جميع العارفين مثله ، الذين قالوا بالاتّفاق : ليس في الوجود سوى الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله فالكلّ هو به ومنه وإليه » « 1 » .
أمّا مقولة صدر المتألّهين في الحكمة المتعالية التي يرى فيها وحدة الوجود وتنوّع الموجودات فهي تختلف عن مقولة العرفاء ، لأنّ حقيقة الوجود - بناءً على رأي صدر المتألّهين - واحدة مشكّكة ولها مراتب متعدّدة ، أمّا العارف فلا يقبل بأنّ حقيقة الوجود لها مراتب متعدّدة ، بل يرى أنّ مظاهر ذلك الوجود لها مراتب متعدّدة ، وآيات ذلك الوجود لها مراتب متعدّدة ، ولها تجلّيات نعبّر عنها بالعالم ، وبالسماء ، والأرض . . . وأكبر هذه الآيات هو الإنسان ، وأكبر هذه الآيات في الإنسان هو الإنسان الكامل أو القطب ، أو بحسب تعبيراتنا في المدرسة الإماميّة أنّ الإنسان الكامل وقطب عالم الإمكان هو الإمام في كلّ زمان .
والخلاصة : أنّ التفسير العرفاني للوجود ، أو الرؤية العرفانيّة لعالم الوجود تختلف اختلافاً عميقاً عن تفسير الفلسفة للوجود .
ففي نظر الفيلسوف الإلهي : كما أنّ لله أصالة ، فلغيره أصالة كذلك ، إلّا أنّ الله واجب الوجود وقائم بالذات ، وغيره ممكن الوجود وقائم بالغير ، ومعلول لواجب الوجود ، أمّا في نظر العارف فالأشياء ، أو كلّ ما هو غير الله ، لا وجود له في الحقيقة ، بل هو شؤون وتجلّيات له تعالى .
فرؤية الفيلسوف تختلف عن رؤية العارف ، لأنّ الفيلسوف يريد فهم الكون ، وإيجاد صورة صحيحة جامعة وكاملة نسبيّاً عن العالم في ذهنه ، وفي نظر الفيلسوف أنّ الحدّ الأعلى للكمال الإنساني بأن يرى العالم كما اكتشفه بعقله ، بحيث يرى العالم - في وجوده هو - وجوداً عقلانيّاً ويصير هو عالماً
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : ص 243 - 244 .