دون الدخول في الحيثيّات التفصيليّة لذلك .
أمّا العارف فيرى بأنّه لا يمكن القول بأنّ الوجود متعدّد ، بل هو وجود واحد حقيقة ، ولكن هذا الوجود له آيات تشير إليه ، وله مظاهر وتجلّيات ، وأفضل تعبير عن ذلك هو التعبير القرآني حيث يعبّر ب - « الآيات » ، وإن كان أحياناً يعبّر ب - « التجلّي » ، ولكن التعبير السائد هو « الآيات » ، ولذا فإنّنا لا نجد من أوّل القرآن إلى آخره مورداً يعبّر فيه القرآن عن موجودات عالمنا بالمصنوعات ، أو الممكنات . . . وإنّما تعبيره دائماً بأنّها جميعاً آيات الحقّ سبحانه وتعالى . ولسان حال الآية هو أنّها لا تملك شيئاً من نفسها ، وإنّما تشير إلى أنّ الغير يملك كذا وكذا ؛ لذا قيل إنّ الآية هي العلامة الدالّة على الغير . قال الراغب في « المفردات » : « والآية هي العلامة الظاهرة ، وحقيقته ، لكلّ شيء ظاهر هو ملازم لشيء لا يظهر ظهوره . فمتى أدرك مدرك الظاهر منه علم أنّه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته ؛ إذ كان حكمهما سواء » « 1 » .
ولعلّ خير تعبير عن الممكنات ما ورد في قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً ( الفرقان : 45 - 46 ) ؛ حيث أشارت الآية الكريمة إلى أنّ هذا العالم بمنزلة الظلّ لنوره سبحانه الذي جاء في قوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ( النور : 35 ) . ومن الواضح أنّ حقيقة الظلّ هو عدم النور .
قال الراغب في المفردات : « يُقال لكلّ موضع لم يصل إليه الشمس ظلّ » « 2 » ، وعلى هذا فحقائق الأشياء وأعيانها إنّما هي ظلّ الحقّ سبحانه ، ومدّها إنّما يكون بإظهارها باسمه النور الذي هو الوجود الظاهر ، الذي يظهر به كلّ شيء ويبرز إلى فضاء الوجود . وقوله : وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً أي
هامش
( 1 ) المفردات في غريب القرآن ، الراغب الإصفهاني ، دار القلم ، بيروت : ص 33 ، مادّة « أي » .
( 2 ) المصدر نفسه : ص 314 .