ثابتاً في العدم الذي هو خزانة وجوده ، لا العدم الصرف بمعنى اللاشيء فإنّه لا يقبل الوجود أصلًا ، وما ليس له وجود في الباطن وخزانة علم الحقّ الفعلي كأُمّ الكتاب واللّوح المحفوظ ، لم يمكن وجوده أصلًا في الظاهر . فيكون معنى الإيجاد والإعدام - على أساس هذه الرؤية - ليس إلّا إظهار ما هو ثابت في الغيب وإخفاؤه فحسب ، وهو الظاهر والباطن وهو بكلّ شيء عليم . من هنا جاء التعبير بالقبض ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً والقبض دليل على أنّ الإفناء ليس إعداماً محضاً ، بل هو بمعنى الرجوع إليه تعالى . لذا جاء التعبير : يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ ( الأنبياء : 104 ) ، وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ( الزمر : 67 ) .
وهذا هو معنى الآية في القرآن الكريم ؛ أي أنّ الأشياء لا تملك شيئاً من عند نفسها ، وإنّما فقط تشير إلى أنّ الغير هو المالك والقادر والعالم وهكذا . فجميع ما في العالم لو نظرت إليه منعزلًا عنه سبحانه لم تجده شيئاً ، أمّا لو نظرت إليه بما هي حاكية عنه سبحانه وتعالى لوجدت أنّ لها شيئيّة ، ولكنّ شيئيّتها بالحكاية عن الغير ، وليس لها أيّ شيء آخر .
والعارف انتهى من خلال المكاشفات والمشاهدات والرياضات العمليّة ، وبالسير والسلوك إلى الله تعالى بأن لا وجود في هذا العالم إلّا له سبحانه وتعالى ، فذهب إلى أنّ الوجود واحد .
إذن : العارف قائل بوحدة الوجود ، ولكن هذا الوجود له آيات ومظاهر تشير إلى علمه ، وعظمته ، وقدرته ، وإرادته . . .
والاعتقاد بوحدة الوجود على هذا النحو ورد كثيراً على ألسنة العرفاء وفي كتبهم ، يقول السيّد حيدر الآملي عن توحيد أهل الحقيقة تحت عنوان : « وحدة الشهود ووحدة الوجود » : « بعد وصولهم إلى التوحيدين المذكورين ، فهو أنّهم لا يشاهدون في الوجود غير الله ولا يعرفون في الحقيقة غيره ، لأنّ وجوده
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 650
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٦٥٠