في تحقيق هذا الغرض ؟ وهذا يستدعي استعراض الأصول الكلّية لمدّعيات هذه النظرية للوقوف على أُسسها وما يستلزم ذلك من لوازم .
الثانية : لو سلّمنا أنّها استطاعت - في المرحلة الأولى - أن تحقّق تلك الغاية وتصل إلى نظريّة كاملة حول الرؤية الكونيّة - من خلال مشاهدات العارف - فهل استطاعت أن تؤسّس نظاماً فلسفيّاً يكون قادراً على إثبات الأصول الكلّية لمدّعياتها ، أم لم تكن موفّقة في ذلك ؟ ثمّ يتمّ بعد ذلك الانتقال إلى الاستدلالات العقليّة أو النقليّة القطعيّة التي ذكرتها لإثبات تلك الأسس .
ويمكن القول - بنحو الإجمال - إنّها حقّقت إنجازات أساسيّة على صعيد المرحلتين معاً ، وكان توفيقها في المرحلة الأولى أكثر ممّا توفّرت عليه في المرحلة الثانية ، ولسنا الآن بصدد الدخول لبيان الحدّ الذي وفّقت فيه على صعيد المرحلة الأولى وبيان درجة نجاحها في المرحلة الثانية ، لأنّ ذلك يستدعي وضع دراسة مستقلّة تفي بتحقيق هذين الغرضين ، وهي مهمّة أساسيّة نرجو الله أن يوفّقنا لأدائها .
نعم استطاع صدر المتألّهين الشيرازي أن يحقّق نجاحاً كبيراً في كلتا المرحلتين ، بنحو لم يسبقه أحد إلى ذلك .
ويعتبر الشيخ الأكبر محي الدِّين ابن عربي على رأس مدرسة العرفان النظري وذلك لأنّه هو الذي استطاع أن يجعل من هذا اللون من المعرفة علماً مستقلًّا له موضوع ومسائل ومبادئ ، وبذلك امتاز هذا الفرع من المعرفة عن باقي الفروع ، وكلّ من جاء بعده من العرفاء فإنّه كان يدور في نفس الدائرة التي وضع أُسسها هذا العارف المحقّق « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر كتاب سماحة العلّامة الأستاذ السيّد كمال الحيدري ، مدخل إلى مناهج المعرفة عند الإسلاميّين ، مصدر سابق : ص 73 - 75 .