العدول لسببين :
الأوّل : أنّ تلك الطرق لا تفيد النفس شيئاً تستريح وتسكن إليه ، لأنّ احتمال الخطأ والاشتباه قائم - على أيّ حال - .
يقول ابن العربي : « واعلم أنّ أهل الأفكار إذا بلغوا فيها الغاية القصوى أدّاهم فكرهم إلى حال المقلِّد المصمّم ، فإنّ الأمر أعظم من أن يقف فيه الفكر ، فما دام الفكر موجوداً ، فمن المحال أن يطمئنّ ويسكن ، فللعقول حدّ تقف عنده من حيث قوّتها في التصرّف الفكري ، فإذن ينبغي للعاقل أن يتعرّض لنفحات الجود ولا يبقى مأسوراً في قيد نظره وكسبه فإنّه على شبهة في ذلك » ص .
ويقول السيّد حيدر الآملي : « والغرض أنّ العلوم الرسميّة الحاصلة عن النظر والفكر ليست خالية من الشكوك والشبهة والخطأ والزلل » « 1 » .
الثاني : لو غضضنا النظر عن الإشكال الأوّل . فإنّه غاية ما يُقال في تلك المناهج أنّها تدرك العالم وخالقه عن طريق المفاهيم التي يحصل عليها ، والكمال الذي يصل إليه العالم بها هو « انتقاش النفس بصورة الوجود على نظامه بكماله وتمامه وصيرورة الإنسان عالماً عقليّاً مضاهياً للعالم العيني » « 2 » .
وأمّا العارف فلا علاقة له بالفهم والعقل وإدراك المفاهيم والصور ، بل غايته التي يسعى للوصول إليها هو مشاهدة جمال الحقّ وشهود حقائق هذا العالم على ما هي عليه ، وليس الكمال الذي يبتغيه هو تحصيل صورة هذه الأشياء . ومن الواضح أنّ الفرق كبير جدّاً بين من يعرف النار من خلال المفهوم والصورة الذهنيّة ، وبين من يعرفها من خلال الإحساس بحرارتها والاحتراق بها . والأوّل حال الحكيم المشّائي ، والثاني حال العارف المكاشف .
هامش
( 1 ) جامع الأسرار ، مصدر سابق : ص 492 .
( 2 ) الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 20 .