من أوضح مصاديق العقاب هو البُعد عن الرحمة الإلهية كما قال سيّد الموحدين في الدّعاء المعروف
« فهبني يا إلهي صبرت على حرّ نارك فكيف اصبر على فراقك »
فالبُعد عن ساحة الحقّ والرحمة الإلهية من أعظم العقوبات وأشنعها على الإنسان ، وبذلك نصل إلى أنّ العصيان والتجريّ بنفسهما يورثان العقاب ، ولا معنى للسؤال عن استحقاقهما عقلًا .
إدخال في العذاب أم دخول في العذاب ؟
بالاستعانة بالمعطيات السابقة من أنّ الرابطة بين الفعل والجزاء الأخروي هي رابطة تكوينيّة وعلاقة وجودية ، سوف تندفع إحدى اعقد المشكلات المطروحة في علم الكلام حول العذاب الإلهي في عالم الآخرة ، حاصلها : أنّ الله سبحانه وتعالى شرّع الشرائع لأجل أن يصل الإنسان إلى كماله المطلوب .
وعليه فلو قال قائل : إذا كان الإنسان لا يريد أن يصل إلى ذلك الكمال وكان يخالف الشريعة ، فلماذا يدخل في نار جهنّم ؟ ! فمن الواضح أنّ الجواب سيكون مشكلًا جدّاً ، لو بنينا على أنّ الرابطة بين الفعل والجزاء هي رابطة اعتبارية ، وسوف لا نجد مبرّراً للدخول في جهنّم والاحتراق فيها .
أمّا بناءً على أنّها رابطة وجودية فليس الأمر كذلك ؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى ليس هو الذي يدخل الإنسان النار ، بل الإنسان هو الذي يقوم بنفسه بذلك من خلال مخالفة الأوامر الإلهية ، وهو من قبيل أن يضع الإنسان يده في النار الملتهبة ثم يسأل : لماذا احرقني ؟ !
نعم ، يبقى السؤال : لماذا النار بهذه الصورة ؟ والجواب أنّ ذلك هو النظام الأحسن والأكمل .
وكيف كان فإن مسألة استحقاق المتجرّي العقاب لابدّ أن تطرح بالصورة التي بيّنّاها في المقام ، وينبغي أوّلًا - بحسب المنهج العلمي الصحيح - معرفة العلاقة القائمة بين الفعل والجزاء المولوي ثم البحث عن الاستحقاق وعدمه .