تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
من الواضح أنّ كلام الأعلام في هذه المسألة مبني على الشقّ الأول ؛ لذا نراهم يعبّرون « هل فاعل المعصية أو المتجريّ يستحق العقاب ؟ » . استناداً إلى هذا التحليل فإن المبنى الذي يفسّر العلاقة بين المعصية والعقاب بالشكل المذكور ، سوف يجعل البحث حول استحقاق المتجرّي للعقاب من باب السالبة بانتفاء الموضوع ، أي إذا ثبت أن العلاقة بين الفعل وبين العقوبة هي علاقة وجودية ورابطة تكوينيّة تحقّق ضمن نظام الوجود الأحسن ، فلا معنى حينئذ لأن نسأل هل العاصي أو المتجرّي مستحقّ للعقاب ؟ أو هل المطيع يستحق الثواب ؟ ضرورة أنه سيكون من قبيل السؤال : هل الإنسان إذا شرب الماء يرتفع عطشه ؟ أو الذي يشرب السمّ هل يتحقّق هلاكه ؟ الجواب : بناءً على أن نسبة العقاب إلى الفعل المعصي به هي نسبة اعتبارية ورابطة وضعية أو عقلائية ، فيكون السؤال صحيحاً حينئذ ، ويكون الجواب عنه بأنّ العقل لا يدرك ذلك كما تقدّم ، لأن القول باستحقاق العقاب سوف يرجع إلى التمسّك بالسيرة العقلائية ، وهو لا ينسجم مع مبانيهم في عقلية قضايا الحسن والقبح في الأفعال . ومن ثم ذكر الأستاذ الشهيد أنه مع القول بأنّ الحسن والقبح من الأمور العقلائية فلا يبقى لدينا حينئذ دليل على استحقاق المخالف العقوبة من قبل المولى الحقيقي ، لأنّ العقوبات عنده سبحانه وتعالى ليست من قبيل العقوبات المشرّعة عند العقلاء لجهة اختلاف الملاك « 1 » . وأمّا بناءً على أنّ العلاقة بين الفعل والجزاء هي علاقة وجودية تكوينيّة ، فلا يكون السؤال المذكور صحيحاً ؛ فإنّه لا معنى لأن نسأل بأنّ الذي يضع يده في النار هل يستحقّ الاحتراق ؟ ! لأنّ ذلك الفعل بنفسه ينتج الإحراق كما أنّ شرب الماء بنفسه يرفع العطش ، وكذلك الحال في التجريّ ؛ ضرورة أنّ
هامش
( 1 ) راجع مباحث الأصول مصدر سابق : ص 323 .
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 468 | حميد مجيد هدو