تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
ومعنى ذلك أنّ نكتة هذا الإفراد والفصل بين علم الأصول وعلم الفقه لم تكن لأجل وجود مائز ذاتيّ وفرق جوهريّ بين هذين العلمين ، كما هو الحال في الرياضيات والطبيعيّات مثلًا ، وإنما حدث ذلك لأجل نكتة تخصّ الجانب التأليفي والتدويني في عملية استنباط الحكم الشرعي . فإذا كان الأمر كذلك ينقدح تساؤل أساسي مفاده : ما هي حقيقة ما يُصطَلح عليه بعلم الأصول ؟ بعد أن آمن الإنسان بالله والإسلام والشريعة ، وعرف أنه مسؤول بحكم كونه عبداً لله تعالى عن امتثال أحكامه ، يصبح ملزماً بالتوفيق بين سلوكه في مختلف مجالات الحياة والشريعة الإسلامية ، وباتخاذ الموقف العملي الذي تفرضه عليه تبعيّته للشريعة ، ولأجل هذا كان لزاماً على الإنسان أن يعيّن هذا الموقف العملي ، ويعرف كيف يتصرّف في كلّ واقعة . ولو كانت أحكام الشريعة في كلّ الوقائع واضحة وضوحاً بديهياً للجميع لكان تحديد الموقف العملي المطلوب تجاه الشريعة في كلّ واقعة أمراً ميسوراً لكلّ أحد ، ولما احتاج إلى بحث علمي ودراسة واسعة ، ولكن عوامل عديدة منها بُعدنا الزمني عن عصر التشريع أدّت إلى عدم وضوح عدد كبير من أحكام الشريعة واكتنافها بالغموض « 1 » . وعلى هذا الأساس كان من الضروري أن يوضع علم يتولّى دفع الغموض عن الموقف العملي تجاه الشريعة في كلّ واقعة بإقامة الدليل على تعيينه . وهكذا كان ، فقد أُنشِئَ علم الفقه للقيام بهذه المهمّة ، فهو يشتمل على تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة تحديداً استدلالياً ، والفقيه في علم الفقه يمارس إقامة الدليل على تعيين الموقف العملي في حدث من أحداث الحياة ، وهذا ما نطلق عليه اسم عملية استنباط الحكم الشرعي .
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول ، مصدر سابق : ج 7 ص 28 - 41 .