تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
وأدقّها ، بحيث لم تزد حصيلة البحث العقلي عندما ولج هذه المواضيع على ما جاء به النقل بشيء . مع أنّ للنقل استخدامات كثيرة في الكتاب تخطّت هذه الدائرة ، إلّا أنّ ما قصدناه في إطار هذه الملاحظة هي تلك المجالات التي أغنى بها النقل بروحه البرهانية وعناصره الاستدلالية عن إقامة برهان عقليّ . هذه الموارد كثيرة في الكتاب ، بيد أنا سنقتصر على الأمثلة التالية : 1 - أثارت الصفات الإلهية في فكر المسلمين معركة انتهت إلى عدد من الاتجاهات الكلامية . عند هذا المنعطف روى المتكلّم الإماميّ المعروف هشام بن الحكم أنّ زنديقاً دخل على الإمام جعفر الصادق ( ع ) يسأله : « أتقول إنّه سميع بصير ؟ فقال أبو عبد الله ( ع ) : « هو سميع بصير ، سميع بغير جارحة ، وبصير بغير آلة ، بل يسمع بنفسه ، ويبصر بنفسه ، وليس قولي إنّه سميع بنفسه أنّه شيء والنفس شيء آخر ، ولكني أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسؤولًا ، وإفهاماً لك إذ كنت سائلًا ، فأقول : يسمع بكلّه ، لا أنّ كلّه له بعض ، لأنّ الكلّ له بعض ، ولكن أردت إفهامك والتعبير من نفسي ، وليس مرجعي في ذلك كلّه إلّا أنّه السميع البصير العالم الخبير ، بلا اختلاف الذات ولا اختلاف معنى » « 1 » . يدلّ حديث الإمام ( ع ) على عينية الذات للصفات ، وعدم تحيّث الصفات في الذات ، بلغة مذهلة في دقّتها ، تكشف عن حذر الإمام من أن يتبادر أيّ التباس إلى ذهن السامع . فهو إذ يصف الله عزّ وجلّ بالسمع سرعان ما ينفي أن يكون ذلك من خلال آلة ، بل إنّه سميع بذاته بصير بها . وإذ يقول ( ع ) : « إنّ الله يسمع بنفسه ويبصر بنفسه » لا يلبث أن يلفت نظر السامع إلى أنّ هذا لا يعني أنه سبحانه شيء ونفسه شيء آخر ، بل عبّر عن المعنى بهذه الصيغة للإفهام ، ولأنّ اللغة لا تطيق أكثر من ذلك .
هامش
( 1 ) الأصول من الكافي ، مصدر سابق ، ج 1 ، باب صفات الذات ، ح 2 ، ص 108 - 109 .