البحث الفلسفي « 1 » .
بيد أنّ ذلك لا يعني تعطيل النظر ، وتجميد العقل ، وإلغاء دور الجهد الإنساني في المعرفة - كيف ؟ ! وهو مما حثّت عليه الشريعة ذاتها - إنّما يعني إرشاداً ، له مغزاه العميق على صعيد طبيعة المنهج الذي ينبغي الالتزام به بين دوري العقل والنقل أو الفلسفة والدين .
فالنقل في هذا المضمار مفتاح يشقّ الطريق أمام العقل ويثير دفائنه « 2 » ، وهو ضياء ينير له السبيل ، ليرقى العقل على هذا الهدي إلى معارج المعرفة ويبلغ ذراها .
لذلك لم يكن غريباً أن تدوّن الفلسفة أكبر الإنجازات وأسماها لأولئك الفلاسفة والباحثين الذين ارتادوها مزوَّدين بسراج النقل ، فاختصروا المسافات ، ووفّروا على أنفسهم وعلى الناس كثيراً من المنزلقات الوعرة التي تحفّ طريق العقل لو سار وحده بصاحبه دون ضياء الوحي أو بعيداً عن نور النقل .
أمّا الإشكال الذي يرد في طبيعة حاجتنا للعقل إذا كان النقل يكمن من ورائه ، وما معنى العقلانية التي تستضيء بنور النقل ؟ فإنّ الإجابة عليه ينهض بها البحث في نظرية المعرفة التي ترسم الحدود وتحدّد الثغور بحيث تكون لكلّ أداة منطقتها .
على أنّ النقل الذي نتحدّث عنه في مجال هذه النقطة ، هو ذلك الذي جاء بمنزلة البحث العقلي ، وتضمّن صيغ الاستدلال البرهاني بأتمّ صورها
هامش
( 1 ) دوّمين يادنامه علّامه طباطبائي ( الكتاب التذكاري الثاني عن العلامة الطباطبائي ) ، بحث الشيخ حسن زادة آملي : « العرفان والحكمة المتعالية » ص 56 . طهران 1984 .
( 2 ) يقول الإمام أمير المؤمنين : « فبعث فيهم رسله ، وواتر بهم أنبياءه ، ليستأدوهم ميثاق فطرته ، ويذكّروهم منسيّ نعمته . . ويثيروا لهم دفائن العقول » . نهج البلاغة ، الخطبة 1 ، ص 43 .