ليست هذه النقاط أكثر من إيماءة إلى إشراقات النصّ العلويّ ، وهي إشارة على استحياء إلى بحره الزخّار ، ونظرة عابرة تومض من بعيد إلى أفق المعرفة العلوية .
على صفحات هذا الكتاب يدرك الإنسان عظم مصيبة الأمّة وقد أوصدت أمامها النوافذ المشرعة إلى باب مدينة علم النبيّ ، دونما حاجة إلى مطوّلات الفضائل والمناقب وحجاجات علم الكلام وسجالات المتكلّمين وضروب البرهان العقلي . فالوجدان يمتلئ تلقائياً بومضات من أنوار العلم العلويّ ، ويشعّ العقل بقبسات من ينبوعه الثرّ .
ثم ما أوجع النتيجة التي تسفر عنها مقارنة بين واقع علي بن أبي طالب في علومه وعطاءات معرفته وبين الأمّة وجيل الصحابة الذي انكفأ بعيداً عن هذا العطاء الممدود !
الأنكى من ذلك شيوع النظرة التي يرى أصحابها أنّ ارتياد البحث في المفاهيم القرآنية التوحيدية بدعة وحرام شرعاً ، حيث يرجع هذا الموقف بالتحليل إلى رؤية تعطيلية مناهضة للعقل ، تحرم عليه حقّه في المعرفة ، وتحظر على الإنسان ممارسة ما جُبل عليه من غريزة البحث والتفكير . وهذا ما يتقاطع تماماً مع الكتاب والسنّة في ما حثّا عليه من تدبّر وتفكير .
وهذا ما يفسّر الفقر العلمي ؛ حيث لم يرصد التأريخ العلمي للمسلمين بحوثاً تحليلية معمّقة للصحابة وجيل التابعين وقدماء المفسّرين في مضمار المعرفة التوحيدية خاصّة ، وعلى صعيد سائر الحقائق القرآنية عامّة .
لكن رويداً كي لا ينوء المسلمين وجيل الصحابة بأكثر من المسؤولية الطبيعية فلم يكن المنحى الذي برز في الرعيل الأول من الصحابة والتابعين ، إلّا نتيجة طبيعية لتصوّر بثّته مؤسّسة الخلافة ودافعت عنه يقضي بغلق باب المعرفة والاكتفاء بالظواهر .
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 438
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٤٣٨