تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
« لم يتكأّدْهُ « 1 » صنع شيء منها إذ صنعه ، ولم يؤده « 2 » منها خلق ما خلقه وبرأه » إلى أن يقول : « ثمّ هو يفنيها بعد تكوينها ، لا لسأم دخل عليه في تصريفها وتدبيرها ، ولا لراحة واصلة إليه ، ولا لثقل شيء منها عليه . لا يملّه طول بقائها فيدعوه إلى سرعة إفنائها ، ولكنه سبحانه دبّرها بلطفه ، وأمسكها بأمره ، وأتقنها بقدرته ، ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها ، ولا استعانة بشيء منها عليها ، ولا لانصراف من حال وحشة إلى حال استئناس ، ولا من حال جهل وعمىً إلى حال علم والتماس ، ولا من فقر وحاجة إلى غنىً وكثرة ، ولا من ذلّ وضعة إلى عزّة وقدرة » « 3 » . يفيض النصّ العلويّ بتأكيد القدرة المطلقة لله سبحانه ، التي تشمل الأشياء جميعاً على حدّ سواء . أمّا عن مبدأ القدرة ذاتها فلنُصغ إلى الإمام ( ع ) حيث يقول : « سبحانك ما أعظم شأنك ! سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك ! وما أصغر كلّ عظيمة في جنب قدرتك ! وما أهول ما نرى من ملكوتك ! وما أحقر ذلك في ما غاب عنّا من سلطانك ! » « 4 » . ثم لنبصره في موضع آخر ، وهو يقول : « خلَق الخلائقَ بقدرته ، واستعبدَ الأربابَ بعزَّته ، وسادَ العظماءَ بجوده » « 5 » . لقد وضع هذا النصُّ والنصُّ الذي سبقه نظامَ التدبير العامّ في الوجود كلّه تحت القدرة الإلهية وتدبيرها سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( فصّلت : 53 ) .
هامش
( 1 ) لم يتكأّده : لم يشقّ عليه . ( 2 ) لم يؤده : لم يثقله . ( 3 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق ، الخطبة 186 ، ص 276 . ( 4 ) نهج البلاغة ، الخطبة 109 ، ص 158 - 159 . ( 5 ) نهج البلاغة ، الخطبة 183 ، ص 265 .