من غيره ، فهي أولويّة عقليّة ، بمعنى أنّ الوجود هو الذي لابدّ أن يكون متحقّقاً في الأعيان أوّلًا وبالذات ، وغيره من الماهيّات متحقّقة بواسطته .
وهنا قد يُقال : إنّ هذا الدليل لا يثبت إلّا موجوديّة الوجود في الأعيان ، ولا يثبت موجوديّة الوجود بذاته من دون احتياج إلى حيثيّة تقييديّة .
لكنّه يُقال : كلّ ما بالعرض لابدّ أن ينتهي إلى ما بالذات ، وإلّا للزم الدور أو التسلسل ، لأنّ الشيء إمّا وجود أو ماهيّة ، والماهيّات موجودة بالوجود ، فإن كان الوجود موجوداً بغيره ، نسأل عن ذلك الغير ، إن كان وجوداً آخر غير هذا الوجود لزم التسلسل ، وإن كان ماهيّة من الماهيّات لزم الدور ، وقد ثبت في محلّه بطلان الدور والتسلسل ، فلم يبق إلّا فرض موجوديّة الوجود بذاته ، وهو المطلوب .
وهذا برهان تامّ لإثبات أصالة الوجود ، وهو قريب المأخذ من دعوى البداهة ، ولكن ما يميّزه هو اعتماده على بطلان الدور والتسلسل لإثبات أصالة الوجود وأنّه موجود في الأعيان بالذات ، والماهيّات موجودة به .
الدليل الثاني : احتياج الماهيّة إلى الوجود في طرد العدم عن ذاتها
وهو من الأدلّة المهمّة أيضاً لإثبات أصالة الوجود ، ويبتني على مجموعة من المقدّمات يشترك في بعضها مع مقدّمات الدليل السابق :
المقدّمة الأولى : إنّ هناك واقعيّة وحقيقة عينيّة نثبتها بالضرورة .
المقدّمة الثانية : إنّ تلك الواقعيّة متكثّرة وفيها أشياء متمايزة وهذا ضروريّ أيضاً .
المقدّمة الثالثة : إنّ تلك الواقعيّات المتمايزة تنحلّ في أذهاننا إلى حيثيّتين مختلفتين ، إحداهما تحكي جهة الاشتراك وهو مفهوم الوجود ، وثانيتهما تحكي جهة الاختصاص والامتياز وهو مفهوم الماهيّة ، ومرادنا كلّ ما هو غير الوجود . وهذه المقدّمة أيضاً من الضروريّات والبديهيّات الفطريّة .