في قبال أصالة الماهيّة .
وأخيراً لابدّ من التنبيه على أنّ الاعتقاد ببداهة القول بأصالة الوجود ، لا ينافي إقامة الدليل والبرهان على ذلك ، لأنّ مسألة أصالة الوجود من البديهيّات التي يمكن الاستدلال عليها حتّى مع استغنائها عن ذلك ، وذلك لأنّ بعض البديهيّات المستغنية عن الاستدلال لا يمكن الاستدلال عليها أيضاً ، لأنّ أي استدلال متوقّف على وجودها في الرتبة السابقة ، من قبيل : « اجتماع النقيضين محال » ، ومسألتنا في المقام ليست كذلك ، فلا يكشف استدلال الحكماء عليها عن إيمانهم بعدم بداهتها .
إذا اتّضح ذلك ننتقل إلى استعراض أهمّ الأدلّة في المقام :
الدليل الأول : الوجود أحق بالموجودية
يعدّ هذا الدليل من أهمّ الأدلّة لإثبات أصالة الوجود ، وقد اعتمده صدر المتألّهين في كتابه الأسفار والطباطبائي في نهاية الحكمة ، وهو يبتني على مقدّمتين :
المقدّمة الأولى : كلّ ما هو غير الوجود - سواء كان ماهيّة بالمعنى الأخصّ أو بالمعنى الخاصّ - لا يتّصف بالموجوديّة إلّا بالوجود ، بحيث يكون الوجود حيثيّة تقييديّة في حمل الموجوديّة على كلّ ما هو غيره .
المقدّمة الثانية : إنّنا نشاهد بالضرورة والوجدان أنّ الماهيّات تتّصف بالموجوديّة والواقعيّة العينيّة ، وهي لا تتّصف بذلك إلّا بتوسّط الوجود ، فهي ببركة الوجود موجودة في الأعيان .
وحينئذ نقول : إذا لم يكن الوجود موجوداً في الخارج للزم عدم تحقّق أي واقعيّة من الواقعيّات في الوجود العيني ، لكن ثبت بالضرورة تحقّق تلك الواقعيّات في الأعيان ، فيبطل فرض عدم موجوديّة الوجود في الخارج ، وهو المطلوب . وهذا هو مرادهم من أنّ الوجود أحقّ وأولى بالتحقّق والموجوديّة