في الواقع العيني ، من دون احتياج في الاتّصاف بالموجوديّة إلى الحيثيّة التقييديّة ، كما أنّ معنى الاعتباري هو الذي يفتقر في تحقّقه عيناً إلى حيثيّة تقييديّة ، ولا يتّصف بالموجوديّة إلّا بواسطة شيء آخر ، يتّضح من ذلك أنّ القول بأصالة الوجود من القضايا البديهيّة ، لا يحتاج التصديق إلّا إلى تصوّر أطرافه والنسبة القائمة بينها ، لأنّ الوجود يستحيل حمل العدم عليه ، وإذا تحقّق في الخارج فإنّ تحقّقه بذاته بلا حيثيّة تقييديّة ، وهذا هو معنى أصالته .
وأمّا القول بأصالة الماهيّة فهو فرض غير معقول من الناحية التصوّريّة ، وذلك لأنّ معنى أصالتها هو تحقّقها وثبوتها في الخارج بنفس ذاتها ، بلا احتياج إلى حيثيّة تقييديّة ، وهذا المعنى من الأصالة :
إن كان المراد منه أنّ الماهيّة في ذاتها ومن حيث هي تقتضي التحقّق والثبوت في الواقع الخارجي ، فإنّه باطل بالضرورة ، لأنّ الماهيّة من حيث هي - عند الجميع - ليست إلّا هي ، لا موجودة ولا معدومة ، ولم يخالف في اعتباريّتها بهذا المعنى أحد من الفلاسفة والحكماء .
وإن كان المراد من ذلك أنّ الماهيّة أصيلة إذا أضيف لها التحقّق والثبوت ، فهذا معناه أنّ الماهيّة موجودة بإضافة الوجود إليها ، لأنّ التحقّق والثبوت والوجود من الأمور المترادفة ، فيعود القول بأصالة الماهيّة إلى القول بأصالة الوجود ؛ لأنّ الماهيّة لا تتّصف بالموجوديّة إلّا بواسطة عروض الوجود والتحقّق عليها ، وأمّا الوجود فهو موجود بنفس ذاته ، هذا هو معنى أصالته واعتباريّة الماهيّة ؛ وأمّا أصالة الماهيّة بمعنى استغنائها في ذاتها عن الحيثيّة التقييديّة فهو أمرٌ غير معقول .
ولعلّ ما ذكرناه هو السبب الأساس في عدم طرح الحكماء لهذه المسألة قبل زمان صدر المتألّهين ، وذلك لأنّهم لم يتعقّلوا قولًا ثانياً في المسألة قبال القول بأصالة الوجود ، فلم تكن لديهم حاجة للبحث في إثبات أصالة الوجود
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 317
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٣١٧