ومرادنا من الماهيّة هنا هي الماهيّة بالمعنى الخاصّ ، في قِبال الماهيّة بالمعنى الأخصّ والماهيّة بالمعنى الأعمّ ، فهي أعمّ من الأوّل وأخصّ من الثاني ، حيث تطلق بهذا المعنى على كلّ ما لم يؤخذ فيه الوجود ولا العدم ، فتشمل الماهيّة بالمعنى الأخصّ والمفاهيم الفلسفيّة كمفهوم القدرة والحياة والعلم ، ولا تشمل الوجود ولا العدم .
وهذا المعنى للماهيّة وإن لم يكن متداولًا في كلمات المتأخِّرين من أتباع مدرسة الحكمة المتعالية ، إلّا أنّه ورد كثيراً في عبارات صدر المتألّهين وغيره من الحكماء السابقين « 1 » .
والمعروف بين المتأخّرين من الحكماء أنّ المراد من الماهيّة هنا هي الماهيّة بالمعنى الأخصّ ، ولكنّنا نعتقد أنّ هذا التخصيص لا وجه له ؛ إذ كلّ ما هو غير الوجود يشكِّل النحو الثاني من المفاهيم التي تحكي الواقعيّة في قبال مفهوم الوجود ، سواء كانت ماهيّة بالمعنى الأخصّ أم لا ، لأنّ كلّ مفهوم من المفاهيم يشترك مع الماهيّة بالمعنى الأخصّ في كونه من حيث ذاته ليس إلّا هو ، لم يؤخذ فيه الوجود ولا العدم .
3 . زيادة الوجود على الماهية
ذكر المتأخّرون من الحكماء أنّ مفهوم الوجود يغاير مفهوم الماهيّة ذهناً وتصوّراً ، وأوردوا لإثبات ذلك مجموعة من الأدلّة « 2 » .
ولكن الذي نراه هنا أنّ الزيادة والغيريّة بين الوجود والماهيّة لا تقف عند عالم الذهن فحسب ، بل هناك غيريّة بينهما بلحاظ عالم نفس الأمر أيضاً ؛ وهو ظرف الثبوت والواقعيّة بالمعنى الأعمّ الذي يسع الصوادق كلّها ، سواءً
هامش
( 1 ) الإشارات والتنبيهات ، ابن سينا : ج 3 ص 41 ، التعليقة رقم ( 1 ) ، وكذا الحكمة المتعالية في الاسفار العقلية الأربعة ، صدر المتألّهين ، مصدر سابق : ج 1 ص 101 وج 6 ص 144 .
( 2 ) انظر : دروس في الحكمة المتعالية ، السيّد كمال الحيدري ، دار فراقد ، قم : ج 1 ص 178 - 180 .