تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
وربما كان طريفاً أن نذكّر بمثال يدلّ على سذاجة بعض من ينتحل الاختصاص ؛ إذ ذهب أحد المستشرقين - كما يذكر ذلك على صعيد واحد الأستاذ هادي العلوي في كتابه عن الحركة الجوهريّة في فلسفة صدر الدِّين الشيرازي والسيّد الطباطبائي في حديث له عن شجون دراسة تاريخ الفلسفة الإسلاميّة مع مقولات المستشرقين ومناهجهم - ذهب هذا المستشرق إلى أنّ كتاب الأسفار لملّا صدرا ( وهو أشهر وأهمّ كتبه على الإطلاق ) ما هو إلّا تسجيل للخواطر والذكريات التي تجمّعت للشيرازي خلال أسفاره ! بديهي أنّه لا يسعنا أن نرمي بجميع الأسباب على عاتق المستشرقين كما نفعل في تحميل الاستعمار كلّ أسباب تخلّفنا وما نحن فيه ، فنحن مسؤولون أيضاً . وإلّا ما الذي فعلته حواضر العلم الإسلامي وما هو العبء الذي نهضت به المؤسّسات المعنيّة في هذا المضمار ؟ ولا نحتاج هنا للتأكيد أنّ ما نقرأه في هذا الكتاب لا يعدو أن يكون محاولة أوّليّة تتوفّر على تقديم لمع من حياة صدر الدِّين الشيرازي وفلسفته ، والأمل معقود على باحثنا والباحثين الآخرين لتدشين جهود جديدة في هذا السياق . لقد كانت قصّة البداية في السعي الفلسفي الذي مارسه الشيرازي تعود إلى أشواط حياته الشخصيّة وما توفّر عليه من مؤهّلات من ناحية ، وإلى المسار الذي كانت قد اقتطعته الدراسات العقليّة في الحياة الإسلاميّة من ناحية ثانية . وما يعنينا هو أن نشير إلى الجهة الثانية ، إذ ذهب الباحث إلى أنّ العقل الإسلامي كان مهموماً منذ بواكير اشتغاله بالفلسفة في زمن الكندي ، وبعده الفارابي وابن سينا ، ثمّ ابن رشد ومدرسة الأندلس ، بهموم التوفيق فيما بين الشريعة والعقل ، وقد استطاعت الجهود السابقة على صدر المتألّهين أن تسجّل إنجازات في هذا المجال ، بيدَ أنّها كانت بحاجة إلى مَن يلمّ متفرّقاتها ويجمع شتاتها في إطار منظومة متّسقة .