جميعاً فوق
عالمنا المادي المشهود بحكم انتسابها إلى ما عند الله ، ومن الواضح للعيان أنّ ما عند الله باقٍ وغير زائل البتة « 1 » ، بخلاف ما عليه الأشياء في هذه النشأة المادية المحسوسة فإنّها متغيّرة فانية لا تتّسم بالثبات ولا البقاء « 2 » .
وعلى أيّ حال ، فتلك الحقيقة الواقعية الخارجية ذات المراتب الوجودية الكامنة في خزائن الله تعالى غير المشهود حسّاً هي الوجود العيني الذي يراد به التأويل .
فالتأويل بحسب هذا القول الأخير من الرؤية الثانية ليس مرتبة معرفية سقفها عالم الألفاظ والمفاهيم والمعاني ، وإنما هو مرتبة وجودية واقعية خزائنية تقف خلف هذا الوجود اللفظي للقرآن الكريم .
ثمَّ إنّ التأويل لا تنحصر دائرته بآيات معيّنة كما قد يتوهمّ البعض وإنمّا هو
دائرة محيطة بالقرآن من بائه إلى سينه .
إذا اتّضح لنا هذا المعنى الدقيق للتأويل فانّه سوف يبرز أمامنا وجه وحجم الحاجة للتأويل بنحو لا يحتاج معه إلى تعليق أو توكيد ؛ ممّا يعني أنّ العملية التفسيرية برمّتها سوف تفقد إستراتيجيتها إذا جاز التعبير وتُجرّد من مضامينها الحقيقية المنظورة في هدفها الغائي الذي لا يمكن تحقّقه دون أخذ تلك الحقائق الواقعية الخارجية الخزائنية المصطلح عليها بالتأويل بالنظر والاعتبار .
وخلاصة القول في وجه الحاجة للتأويل هو أنّه بناءً على القول الأول من الرؤية الأولى ، والقول الأول من
هامش
( 1 ) قال تعالى : مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ( النحل : ) .
( 2 ) انظر : تأويل القرآن ، مصدر سابق : ص 47 .