استمدَّ القرآنُ صفاتِه في دائرة المعنى وفي دائرة التأثير ، وهذا الاستمداد الصفاتي في المعنى والأثر يُقرّب لنا كلمة أمير المؤمنين علي ( ع ) : «
فتجلّى سبحانه لهم في كتابه من غير أن يكونوا رأوه
» « 1 » ، فإذا كان المُتجلِّي مطلق فالمُتجلَّى فيه كذلك .
وهذا المعنى الرفيع يُثير أمامنا إشكالية
فهم القرآن ، فكيف للمحدود أن يُحيط بغير المحدود علماً ؟ .
وهنا يرى السيد الأُستاذ بأن الأعلام قد اختلفوا في فهم هذه الإشكالية والجواب عنها ، فالتستري يُنكر علينا فهم آية واحد من كتاب الله تعالى بصورة تامّة ، فكيف بالكتاب نفسه ، حيث يقول : « لو أُعطي العبد بكلّ حرف من القران ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودعه في آية من كتابه ، لأنه كلام الله ، وكلامه صفته . وكما أنّه ليس لله نهاية ، فكذلك لا نهاية لفهم كلامه . وإنما يفهم كلّ بمقدار ما يفتح الله عليه » « 2 » ، فالفهم ولو في حدود آية واحدة يبقى محدوداً بحدود مقدار المتلقّي .
ولسنا بصدد الإجابة عن ذلك نفياً أو تأييداً ، فما نُريد الوقوف عليه هو ما يُمكن استجلائه من المفردة والنص
القرآنيين ، وهل المُعطى المفرداتي ذو مرتبة واحدة أو هو ذو مراتب كما هو الحال بالنسبة للنصّ « 3 » ؟
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، خطب الإمام علي ، شرح محمد عبده : ج 2 ص 30 .
( 2 ) انظر : البرهان في علوم القرآن ، بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، نشر دار إحياء الكتب العربي ، الطبعة الأولى ، 1376 ه ، القاهرة : ج 1 ص 9 وقد ورد ما هو قريب من هذا المعنى في تفسير مجاهد بن جبر التابعي : ج 1 ص 9 . علما بأن المراد من التستري هو : سهل بن عبد الله التستري .
( 3 ) تكرر استعمال مفردة النصّ ، والمراد به المعنى العامّ الشامل للجملة القرآنية والآية والفكرة المستخرجة من أكثر من جملة أو آية ، وكذلك هو شامل للسورة من باب أولى ، وإذا ما أُريد التوسع في ذلك فسوف يدخل المفرد القرآنية أيضاً .