وأمّا الوظيفة الدينية فتتمثّل بحسب الظاهر ببيان الحكم الشرعي وإيصاله بطريقة لا تكون مشوبة بالخطأ أو الإيهام بذلك ، ومن الواضح بأنّ هذا المعنى لا يتحقّق في المقام دون هذا التكرار ، فهو تكرار ضروريّ على مستوى البلاغة وعلى مستوى التبليغ .
إنما الكلام يقع في تكرار الآيات لا سيّما في السورة الواحدة وبصورة ملفتة للنظر ،
كما هو الحال في تكرار آية : فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ في سورة الرحمن ، فهل يُخرّج ذلك في ضوء الوظيفتين الدينية والأدبية ؟ .
وهنا نودّ أن نُقدّم عرضاً آخر نّقرّب به رؤية السيد الأُستاذ في صحّة التكرار الظاهري للآية الكريمة .
من الثابت وجداناً وتحقيقاً بأنّ كلّ آية قرآنية لها معناها الخاصّ بها الذي لا تشترك فيه مع الآيات الأُخرى ، كما هو الحال بالنسبة لأيّ عدد رقميّ حيث يختصّ بمرتبة ويتميّز بها عن سائر الأعداد والمراتب الرقمية الأُخرى ، وهذا واضح .
ولكن كلّ آية إذا ما لُوحظت بمعيّة آية أُخرى فإنّ الموقف سوف يتبدّل تماماً ، كما هو الحال في إضافة عدد رقميّ إلى عدد آخر ، فإنّ كلّ واحد منهما له مرتبته الخاصّة به ، ولكنهما معا سوف يُعطيان عدداً رقمياً آخر ، وهذا واضح أيضاً .
وهكذا الحال في المقام ، فكلّ آية إذا ما ضُمّت لآية أُخرى فإنّهما معا سوف يُعطيان أمراً ومستوىً آخر ، يُمكن أن نُطلق عليه المعنى الثالث ، فإذا أخذنا هذا المعنى العلمي التحليلي الدقيق في المقام فإنّه لا
تبقى لدينا إشكالية تُذكر .
وعليه فإذا أخذنا كلّ مقطع نصيّ من سورة الرحمن مختوم بآية : فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فإننا سوف نخرج بنتيجة تمتاز عمّا قبلها وعمّا بعدها ،
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 257
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٢٥٧