ولا يخفى أنّ تحديد المنهج المتبّع بحثياً في رتبة سابقة لا يقلّ أهمّية عن نفس المنهج ، فإنّ الوقوع في فوضى الأدلّة بسوقها كيفما اتفق سوف يُفسد العملية الاستدلالية حتى مع كون الأدلّة متقنة بحدّ ذاتها .
إنّ موقعية المنهج في العملية الاستدلالية
عموماً وفي العملية التفسيرية خصوصاً يكشف النقاب لنا عن الفوضى البحثية التي وقع فيها عدد كبير من أعلام المسلمين في مصنّفاتهم المختلفة وفي مختلف المجالات .
وإذا جاز لنا تقسيم العرف إلى عرف عامّي وآخر خاصّي علمائي فإنّ نسبة كبيرة من مصنّفات علماء المسلمين قد سلك فيها أصحابها العرف الخاصّي في عرض أفكارهم وأخذ النتائج عنها ، وهذا السير المعرفي غير المنهجي لا يعفيهم من مسؤولية إعادة النظر في ما كتبوه ، فإنّ العرف الخاصّي لا يُصحّح العمل به لعدم ارتكازه على ضوابط صحيحة ، ولذا تجد في أبحاث علم أصول الفقه مثلًا مجموعة غير قليلة من المسائل الفلسفية والمنطقية والكلامية والرجالية واللغوية « 1 » ، وهذا الاضطراب المنهجي نتج عنه مشاكل معرفية كثيرة حتى وقع الخلاف
بينهم في نفس تعريف علم الأصول وحدِّه .
وهكذا الحال في علوم اللغة وغيرها من العلوم التي أُسّست وصُنفّت على أساس عرفيّ خاصّي أو على أساس فوضويّ في تداخل المناهج .
إنّ العرف الخاصّي لا يمكن أن يكون بحدّ ذاته منهجاً مستقلًّا ؛ لافتقاره إلى ضوابط وقواعد واضحة .
ولا ريب أنّ هذه الفوضى المعرفية والانسياق وراء عُرف غير منهجيّ ، لم
هامش
( 1 ) لا يخفى على المتتبّع وقوع الخلط الكبير والفوضى التصنيفية في أكثر مصنّفات العلوم الإسلامية ، حتى أنّ البعض يعتذر بإقحام أبحاث أجنبية عن محلّ كلامه بأعذار لا تمتّ إلى العملية الاستدلالية بصلة كاستجابة المصنّف لمن لا يسعه ردّهم ، ولعلّ الطلب منهم على فرض وقوعه واستجابته لهم يدخلان ضمن خطوط ومقوّمات العرف الخاصّي !