أوليّة ، فالمخصّص للعامّ والمقيّد للمطلق لا يعتبر حكماً ثانوياً وإنّما هو إنشاء حكم أوّلي ، وحاله حال أي حكم أوليّ آخر ، وهذا ليس مشابهاً للأحكام الثانوية والناشئة بفعل الاضطرار . فشرب الماء النجس حرام ويبقى كذلك إلى يوم القيامة وعندما يأتي المضطر فيشرب الماء فإنّ حكمه يتغيّر إلى الجواز وربّما إلى الوجوب لو توقّفت حياته على شربه ، وهذا كلّه مع بقاء الماء على نجاسته فالاضطرار لم يغيّر من الموضوع شيئاً ، وهنا يصحّ القول إنّ الماء النجس بالعنوان الثانوي وهو عنوان الاضطرار صار جائزاً ، ومن الواضح أنّ هذا غير ما نحن فيه ، فما نحن فيه هو تغيّر موضوعات الأحكام ، وقد قلنا إنّه لا فرق بين ما نحن فيه وبين انقلاب أو استحالة بعض الموضوعات إلى أشياء أُخرى بفعل تغيّر داخلي » « 1 » .
هذا من أهمّ التصويرات الفعلية في مدخلية الزمان والمكان في حركية الأحكام ، وهنالك صور أُخرى تدخل في التوسعة بنفس الموضوع والعنوان لا بتضييق مصاديقه ، من قبيل إطلاق عنوان السارق على الحكام ولزوم إقامة الحدود الشرعية عليهم ، وهذا ما كان يذهب إليه السيد الخميني ( رحمة الله عليه ) حيث كان يُطالب بإقامة حدّ السارق على شاه إيران لأنه السارق الأكبر في البلد ، وأمّا أُولئك البسطاء السذَّج السارقون ظاهراً المسروقون واقعاً فهم مجرّد ضحيّة للسارق الأكبر اضطرّهم العوز والبطالة لذلك ، ولذا فهم مرفوع عنهم حدّ السارق .
إذا اتّضح ذلك فإنّه ينبغي أن يُعلم بأنّ هذه القاعدة الأُولى ذات أثر عظيم جداً على العملية الاجتهادية ، بل وتحديد الفقيه الأعلم أيضاً .
يقول السيد الأُستاذ في هذا المضمار : « ومن هنا ينبغي بل يجب أن يكون المجتهد عالماً بأمور زمانه ، فإنّ الاجتهاد الاصطلاحي في الحوزات
هامش
( 1 ) من كتابه « مدخل إلى فقه المكاسب المحرّمة » ، لم يطبع بعد .