كما أشرنا استمرار دائرة الانطباق في كلّ عصر وزمان ، لا مناص من الالتزام بها ، بل ولنا تسريتها إلى النصوص الروائية بلا أدنى فرق ، فإنّ السنّة الشريفة جارية مجرى القرآن ، فهي حيّة لا تموت تتجدّد مصاديقها وصورها ، سواء كانت السنّة المبيّنة أم السنّة المؤسِّسة .
إنّ هذه الحقيقة الناظرة إلى التجدّد في المصداق وليس مجرد تكرّره إنما تعني بالمطابقة مراعاة عنصر الزمن ، ومدخلية عنصر الزمن في تحريك النص الديني لا تعني إعطاء صياغات جديدة لنفس النص كما قد يتوهّم البعض وإنما هي مدخلية تنحصر في
صياغات موضوع الحكم .
فمثلًا لو اعتبرنا أنّ مناط الحكم في منع التكسّب بالدم والمني والميتة هو عدم وجود منفعة عقلائية معتدّ بها ، فإنّ الحكم لا يتصرّف فيه عنصر الزمن البتة ، فما دام مناط الحكم متوفراً فالحكم سارٍ ، ولكننا لو افترضنا حصول منفعة عقلائية معتدّ بها في أحد هذه الأعيان النجسة كما هو الحال في الدم الذي لا تخفى فوائده الجمّة ومدخليته في إنقاذ النفس المحترمة ، حتى بلغ الأمر به في معظم دول العالم إلى فتح بنوك خاصّة به وظيفتها البيع والشراء ، وبذلك دخلت منفعة أُخرى غير إنقاذ النفس المحترمة وهي توفير مصدر اقتصادي جديد قد يُشكّل حلقة مهمّة في البناء الاقتصادي لبعض دول العالم ، وهكذا الحال بالنسبة للمني الذي لم يعد خافياً انتشار بنوكه الدولية من جهة ومن جهة مدخليته الأساسية في الهندسة الوراثية والتحكم في الجينات وغير ذلك مما هو مُعلن عنه في الدراسات التخصصية التي يُمكن مراجعتها في عشرات المواقع الألكترونية ( الأنترنيت ) .
ففي هذه الأمثلة القريبة إلينا التي
يُمكن التأكد من فوائدها الجمّة بسهولة سوف نتحرّك بصورة فعّالة في تغيير موضوع الحكم الذي كان مأخوذاً فيه قيد عدم توفر المنفعة العقلائية المعتد بها ، وبالتالي سوف يكون منع التكسب مرتفعاً بارتفاع موضوعه .
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 189
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص١٨٩