والآن بعد هذا الإجمال في بيان مقوّمات المستوى الثالث وهو المضمون نأتي على بيان النقاط العشر ببيان شبه تفصيليّ ،
لشعورنا بضرورة الاختصار .
أولًا : تجذير المسائل
تقدّمت الإشارة لهذه النكتة المضمونية في بيان شخصيّته العلمية ، ونعني بها : إرجاع المسألة المبحوث فيها إلى جذورها التأريخية ومناخات نشوئها ، وهذا ما يجعل الطالب على مقربة وبيّنة من أصل المسألة ومقدار التراكمات العلمية التي أحاطت بها من قبل الموافقين والمخالفين .
وهذا الوقوف التأصيلي له ثمرات علمية نفيسة يُدركها أصحاب الفنّ والصنعة ، فإنّ السير التأريخي للمسألة العلمية ليس مجرد عملية سردية محضة ، كما هو حال القصص والأحداث التأريخية ، وإنما هو عملية تنويهية إلى مستويات الفهم والنضج العلمي الذي مرّ به الأعلام وهم يتناولون هذه المسألة العلمية أو تلك .
ومن خلال ذلك يُمكن للباحث أن يختبر قدراته العلمية وما انقدح في ذهنه قبل الوقوف على ذلك الركام المعرفي الحافّ بالمسألة الواحدة .
ولا ريب في أنّ هذه الخصوصية تحتاج من الوقت والجهد الكثير من المتصدّي للتدريس
لاسيّما في المسائل التي لم يُعرف مَن القائل بها ، وهذا الأمر وإن بدا للوهلة الأُولى أن دائرة الابتلاء به محدودة جداً في البحوث الفقهية إلا أنّه منقوض بمتابعة الأقوال وصياغة المسائل ، فإنّ الصياغة الفقهية على مستوى المتون كما تقدّم بنا جاءت متأخّرة عن عصر النصّ لا سيما في مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) ولذلك فالمسألة قائمة والابتلاء بها واقع ، بل هو متواصل تبعاً لتوالد المسائل الشرعية .
وعليه فتجذير المسائل هو بحدّ ذاته يُمثّل مستوى علمياً جديراً بالاهتمام ، وجديراً بالمتابعة والمواكبة ، ولا يخفى على المطلع حجم المسائل