النصّ الثالث : الحجّة العامّة الأولى
أمّا الحجّةُ العامّةُ فهي أنّ النفسَ إذا تركتْ تدبيرَ البدنِ لفسادِ المزاج وخروجِه عن قبولِ تصرّفِها ، فلا يخلو حالُها إمّا أن تنتقلَ إلى عالمِ العقلِ ، أو إلى عالمِ الأشباحِ الأخرويّةِ ، أو إلى بدنٍ طبيعيٍّ آخرَ مِن هذا العالمِ ، أو تصيرَ معطّلةً عن تدبيرٍ نفسانيٍّ ، فالاحتمالاتُ لا تزيدُ عن هذه الأربعةِ ، والأخيرانِ باطلانِ ، فبقيَ أحدُ الأوّلَين ، أحدُهما للمقرَّبين ، وثانيهما لأصحابِ اليمين ، وأصحابُ الشمالِ على طبقاتٍ لكلِّ صنف ، فأمّا بطلانُ الأخيرين ، أمّا بطلانُ التعطيل فلما تقرّرَ من أنّ التعطيلَ محالٌ ، وأمّا التناسخُ فلأنّه إذا اشتغلتْ بتدبيرِ بدنٍ آخرَ فذلك البدنُ لابدّ أن يحدثَ فيه استعدادٌ خاصٌّ ، وقد مرَّ في ما سبقَ أنّ النفوسَ بما هي نفوسٌ حادثةٌ ، وأنّ حدوثَ الأشياءِ سيّما الجواهرُ لابدّ وأن ينتهيَ إلى عللٍ مفارقةٍ غيرِ جسمانيّةٍ ؛ لامتناعِ كونِ جسمٍ علّةً لنفس ، ولا كونِ صورةٍ طبيعيّةٍ علّةً لها ، ولا أيضاً كونِ نفسٍ علّةً لها ، فإذا لم يكن جسمٌ ولا صورةٌ ولا نفسٌ علّةً للنفس ، فالأعراضُ كذلك على الوجهِ الأوّل ، ولأنّها تابعةٌ للأمور المذكورة ، لكنّ هذه الكيفيّاتِ الاستعداديّةَ مِن الأمزجةِ وغيرِها مخصِّصاتٌ ومهيّئاتٌ لتأثير المؤثّرِ العقليِّ ، فحدوثُ كلِّ صورةٍ أو نفسٍ مِن المبدأِ الدائمِ الفيضِ لا يتوقّف إلّا على استعداداتِ