النصّ الحادي عشر : تعجّبٌ ودهشةٌ
ثمّ إنّي لأتعجّبُ مِن بعض الموصوفينَ بفقهِ المعارفِ الإلهيّةِ والاستشراقِ للأنوار الملكوتيّةِ كصاحب التلويحاتِ مع شدّةِ توغّلهِ في الرياضاتِ الحكميّةِ وفهمِ الأسرارِ واعتنائِه بوجودِ عالمٍ آخرَ بين العالمَيَن ، كيف صوّبَ في التلويحاتِ قولَ بعضِ العلماءِ من كونِ جرمٍ سماويٍّ موضوعاً لتخيّلاتِ طوائفَ من السعداءِ والأشقياء ؟
لأنّهم لم يتصوّرْ لهم العالمُ العقليُّ ، ولم تنقطعْ علاقتُهم عن الأجرام ، وهم بعدُ في عقولِهم بالقوّةِ التي لم تخرجْ نفوسُهم منها إلى الفعل واحتاجت إلى علاقةِ البدن .
فقال : إنّه كلامٌ حسنٌ ، إلّا أنّه خالفَ ذلك القولَ في تعلّقِ نفوسِ الأشقياءِ بتلك الأجرام الشريفةِ ذواتِ النفوس النورانيّةِ ، وقال : والقوّةُ تحوجهُم إلى التخيّلِ الجرميِّ ، وليس بممتنعٍ أن يكونَ تحتَ فلكِ القمر وفوقَ كرةِ النار جرمٌ كريٌّ غيرُ متخرّقٍ هو نوعٌ بنفسِه ، ويكونُ برزخاً بين العالم الأثيريِّ والعنصريِّ موضوعاً لتخيُّلاتِهم ، فيتخيّلون به مِن أعمالِه السيّئةِ مثلًا من نيرانٍ ، وعقاربَ تلدغُ ، وحيّاتٍ تلسعُ ، وزقّومٍ يُشربُ وغيرِ ذلك .
وقال : وبهذا يندفعُ ما بقيَ من شُبَهِ أهل التناسخِ ، ولستُ أشكُّ لما اشتغلتُ به من الرياضاتِ أنّ الجهّالَ والفجرةَ لو تجرّدوا عن قوّةٍ جرميّةٍ مذكِّرةٍ لأحوالِهم ، مستتبعةٍ لملكاتِهم وجهالاتِهم ، مخصّصةٍ لتصوّراتِهم ، نجوا إلى الروحِ الأكبر ، انتهى .