للأشقياءِ ، والثوابُ العظيمُ للسّعداءِ نشأةٌ إدراكيّةٌ ، هي أصفى وألطفُ من هذه النشأةِ الكثيفة ، وهي الدارُ الآخرةُ التي هي دارُ الحيوان ؛ وذلك لأنّ الملذَّ والمؤذي في الحقيقةِ ليسا من الأُمور الخارجةِ عن الصور الإدراكيّةِ الحاضرةِ عند النفسِ الواصلةِ إليها ، فكلُّ مؤلمٍ أو ملذٍّ لنا ليس من المحسوساتِ الخارجةِ ، ولا يمكنُ إدراكهُ بهذا الحسِّ الظاهريِّ الدنيويِّ ، بل بالحواسّ الباطنةِ الأخرويّةِ وتلك الحواسُّ هي التي بها يسمعُ ويُبصرُ ويذوقُ ويشمُّ ويلمسُ ما لا وجودَ له .
ونقول أيضاً : إنّ سكرَ الطبيعة وخدرَ النفس في هذه الدار لأجل اشتغالِها بأعمالِ البدنِ يمنعُها أن تدركَ الآفاتِ وآلامَها الحاصلةَ لها ، المكتسبةَ مِن نتائجِ أعمالِها ولوازمِ أخلاقِها وملكاتِها الرديّةِ إدراكاً حقّاً غيرَ مشوبٍ بما توردُه الحواسُّ عليها ، وتشتغلُ به ، وتلهوُ ، وتنسى . فإذا ارتفعَ الحجابُ عن الإنسان بالموتِ وانكشفَ الغطاءُ ، وقعَ بصرُه يومئذٍ إلى تبعاتِ أفعالِه ولحقاتِ أعمالِه ، فيقعُ لها حينئذ إن كان سيّئَ الأخلاقِ قبيحَ الأعمال رديءَ الاعتقادِ الألمُ الشديدُ والداهيةُ العظيمةُ ، كما في قوله تعالى : فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَديدٌ ( ق : 22 ) .
فجحيمُ الآخرةِ وإن كانتْ ألطفَ من نعيمِ الدُّنيا إلّا أنّ عذابَ الأشقياءِ وآلامَهم على الوجهِ اللّائقِ إنّما يتحقّقُ فيها ، لا في هذهِ الدار ؛ لأنّ لطافتَها توجبُ ذلك ؛ لكون الإدراكِ الذي هو ملاكُ العذابِ ومبنى التألّم فيها أصدقَ وأصفى ، وقولُه تعالى : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحيطَةٌ بِالْكافِرينَ ( التوبة : 49 ) يشيرُ إلى أنّ باعثَ الألمِ والعذابِ موجودٌ
كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي) — صفحة 263
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٦٣