النصّ الخامس : البدن الأخروي عين البدن الدنياوي
فإن قلتَ : النصوصُ القرآنيّةُ دالّةٌ على أنّ البدنَ الأخرويَّ لكلِّ إنسان هو بعينِه هذا البدنُ الدنياويُّ له .
قلنا : نعم ، ولكن من حيثُ الصورةِ لا من حيثُ المادّةِ ، وتمامُ كلِّ شيءٍ بصورتِه لا بمادّتِه . ألا ترى أنّ البدنَ الشخصيَّ للإنسان في هذا العالمِ باقٍ من أوّلِ عمرِه إلى آخرِه بشخصِه لكن لا من حيثُ مادّتِه ؛ لأنّها أبداً في التحوّلِ والانتقال والتبدّلِ والزوال ، بل من حيثُ صورتِه النفسانيّةِ التي بها تُحفظُ هويّتُه ووجودُه وتشخّصُه ، وكذا الكلامُ في كلِّ عضوٍ مِن أعضائِه مع تبدُّل المقاديرِ والأشكالِ والهيئاتِ العارضةِ والكيفيّاتِ اللّاحقةِ . فالعبرةُ في حشر بدنِ الإنسانِ بقاؤهُ بعينِه مِن حيثُ صورتِه وذاتِه مع مادّةٍ مبهمةٍ لا من حيثُ مادّتِه المعيّنةِ ؛ لتبدُّلها في كلِّ حين ، فكما أنّ جهةَ الوحدةِ والتشخّصِ في بدنِ شخصٍ واحدٍ مِن حدِّ الصّبا إلى حدِّ الشيخوخةِ مع تبدُّلِ كثيرٍ مِن الصفاتِ بل كثيرٍ من الأعضاءِ والآلاتِ هي النفسُ ومرتبةٌ مبهمةٌ مِن المادةِ غايةَ الإبهامِ ، ولذا لا يقالُ لمن جنى في الشبابِ وعوقِب في المشيبِ إنّه غيرُ الجاني ، فكذلك جهةُ الوحدةِ في البدنِ الدنياويِّ والبدنِ الأخرويِّ هي النفسُ وضربٌ من المادّةِ المبهمةِ ، فلذلك تثابُ النفسُ وتعاقبُ باللّذاتِ والآلامِ لأجلِ ما صدرَ عنها مِن الأعمالِ والأفعالِ البدنيّةِ بهذِه الجوارحِ والأعضاءِ مع تبدّلِها في الآخرةِ إلى نوع آخر .