الأبدان الحيوانيّة التي انتقلت إليها نفوس هؤلاء وضاقوا فيها ذرعاً ، وذاقوا صنوف المهانة والإذلال ، لذلك راحوا يسألونه تعالى ويدعونه لكي يخرجهم من هذه الأبدان التي تعدّ جهنّم لا تُطاق ، وهذا كلّه بعد أن أقرّوا واعترفوا بذنوبهم ، وكذلك الأمر بالنسبة لقول الأشقياء : رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ ( المؤمنون : 107 ) ، أي أخرجنا من هذه الأبدان التي انتقلنا إليها جزاء ما ارتكبناه من جرائم وموبقات .
فكّ الشكّ الثالث
يمكن عرض هذا الفكّ من خلال النقاط التالية :
1 - كلمات الأقدمين من الحكماء ، وما ورد في الرموز القرآنيّة والكلمات النبويّة ، لها محامل صحيحة غير التناسخ الذي فهمه أصحابه ، إنّما المراد من هذه الكلمات إنّما هو تصوّر النفوس بصور أخرى غير الصورة الإنسانيّة ، وذلك بحسب الملكات ، وقد تمّ بحث هذا لمّا أجرينا الحديث حول تجسّم الأعمال والتناسخ الملكوتي .
2 - إنّ أكثر المواعيد الإلهيّة إنّما هي نشأة أخرى غير هذه النشأة ، والذي يفضي إليه التناسخ إنّما هو إنجاز المواعيد الإلهيّة في هذه النشأة ليس إلّا .
3 - من قال إنّ النفوس الشقيّة لا عالم لها تأوي إليه بعد مفارقة الأبدان ، لتنال ما تستحقّ من شقاوة أخرويّة وتعاسة ، حيث إنّ أصحاب النقل ، وكما تقدّم ، يزعمون أنّ النفوس إن فارقت الأبدان ولم ترتبط ببدن آخر ، فهي إلى عالم القدس ، وليس فيه إلّا السعادة ، وبالتالي فلا شقاوة أخرويّة ، وهو كما ترى .
لكن لو علم هؤلاء أنّ الشقاوة متحقّقة من دون ارتباط للنفس الشقيّة المفارقة للبدن ببدن حيوان مناسب لملكاتها ، وذلك لأنّ عالم الآخرة ليس منحصراً في عالم القدس ، عالم العقل ، بل هناك عالم يتوسّط عالمنا المشهود هذا ،