الرابعة : الهدف القرب الإلهى مع وجود قيمة ذاتية للعدالة
تختلف هذه النظرية عن النمط الذي سلكته النظرية الثالثة ، القائلة بأنّ الهدف الأصيل هو القرب الإلهى ، وأنّ العدالة الاجتماعية وسيلة لهذا الهدف ولا قيمة ذاتية لها .
فالنظرية الرابعة هي إصلاح للنظرية الثالثة ، حيث تقول النظرية الرابعة : إنّ الهدف الأصيل من بعثة الأنبياء هو القرب الإلهى أمّا العدالة الاجتماعية فهي وسيلة لهذا الهدف لكن لها قيمة ذاتية في نفسها .
ويمكن تقريب هذه النظرية بهذا المثال وهو أنّ الصفّ الخامس مقدّمة ووسيلة للوصول إلى الصفّ السادس ، فعند الوصول إلى الصفّ السادس أيمكن القول إني لا أحتاج للمعلومات التي درستها في الصفّ الخامس لأنّها وسيلة محضة لا قيمة لها في نفسها ، أم لابدّ من وجود معلومات الصفّ الخامس وأن لهذه المعلومات قيمة ذاتية في نفسها ؟
من الواضح أنّه لا يمكن الاستغناء عن معلومات الصفّ الخامس ، لأنّ الصفّ السادس مبنىّ عليها ؛ وعلى هذا الأساس يكون الصفّ الخامس بما فيه من معلومات وسيلة لها قيمة في نفسها ، وليس دورها دور السلّم الذي يمكن الاستغناء عنه عند الوصول إلى السطح .
فالعدالة الاجتماعية وسيلة للقرب الإلهى ، لكن في الوقت ذاته يكون لهذه الوسيلة قيمة ذاتية في نفسها .
ولهذا نجد آيات القرآن الكريم من جهةٍ تجعل الهدف هو القرب الإلهى : ( أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِى لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ) « 1 » ومن جهة أخرى تقول : ( فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) « 2 » فالتقوى وسيلة للقرب الإلهى ، إلّا أنّها وسيلة لها قيمة ذاتية في نفسها ، وهى مرتبة ودرجة معيّنة من الهدف النهائي .
فلو فرضنا أنّ الهدف هو الوصول إلى الدرجة مئة ، فهذه الوسيلة تعدّ إحدى الدرجات الصاعدة نحو الهدف ، فقد تكون درجتها سبعين أو ثمانين مثلًا ؛ ولهذا يعبَّر عنها بأنّها وسيلة أضعف مرتبة من الهدف .
هامش
( 1 ) هود : 2 .
( 2 ) البقرة : 197 .