فالتقوى جزء من الهدف النهائي ، فإذا وصل إلى الهدف الأساسي لا يعنى أنّه يستغنى عمّا دونه من درجات .
وبعبارة أخرى : إنّ الوسيلة على قسمين :
أحدهما : وسيلة لا قيمة ذاتية لها في نفسها ، وإنما غاية ما يراد منها هو الإيصال إلى الهدف فقط .
والقسم الآخر : وسيلة لها قيمة ذاتية في نفسها ، مضافاً إلى وساطتها في الإيصال إلى الهدف .
إذاً حاصل هذه النظرية : إنّ الهدف الأصيل للأنبياء هو القرب الإلهى ، أمّا العدالة الاجتماعية فوسيلة لذلك الهدف ، مع الحفاظ على قيمتها الذاتية .
من هنا يتّضح أنّ الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله حينما بلغ الدرجات العالية من الكمال ووصل إلى قاب قوسين أو أدنى ، لا يعنى أنّه لا يحتاج عندئذٍ إلى الصلاة والعبادة والشكر ، فهذه العبادات في الوقت الذي هي وسيلة ، فإنّ لها قيمة ذاتية في نفسها ، فإذا فُقدت سقط الإنسان عن العبودية ، لهذا نجد القرآن الكريم تارة يقول : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) « 1 » ومن جهة أخرى يقول : ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) « 2 » .
والجمع بينهما هو أنّ الآية الأولى ذكرت العبادة لكونها وسيلة إلى حصول اليقين والقرب الإلهى ، لكن هذه العبادة مطلوبة أيضاً ولها قيمة ذاتية في نفسها ، إذا فقدها الإنسان ابتعد عن الله تعالى ، مهما كانت عبوديته وقربه من الله تعالى ، وهذا بخلاف النظرية الثالثة القائلة بأنّ الوسيلة لا قيمة لها ، ومن ثمّ فلا تكون للعبادات قيمة ذاتية في نفسها ، وإذا وصل
هامش
( 1 ) الذاريات : 56 .
( 2 ) الحجر : 99 .