المتحرّك إلى مكانين : مكان تركه ، ومكان إدراكه ، أو يرتسم في الخيال ؛ لأنّ صورة المتحرّك له حصولٌ في مكان وقرب وبعد من الأجسام تكون قد انطبعت فيه ، ثمّ تلحقها من جهة الحسّ صورةٌ أخرى بحصول له آخر في مكان آخر وقرب وبعد آخرين ، فيشعر بالصورتين معاً على أنّهما صورةٌ واحدةٌ لحركة ، ولا يكون لها في الوجود حصولٌ قائم كما في الذهن ؛ إذ الطرفان لا يحصل فيهما المتحرّك في الوجود معاً ولا الحالة التي بينهما لها وجودٌ قائم .
وأمّا المعنى الموجود بالفعل الذي بالحري أن يكون الاسم واقعاً عليه ، وأن تكون الحركة التي توجد في المتحرّك ، فهي حالته المتوسّطة حين يكون ليس في الطرف الأوّل من المسافة ولم يحصل عند الغاية ، بل هو في حدّ متوسّط بحيث ليس يوجد ولا في آنٍ من الآنات التي يقع في مدّة خروجه إلى الفعل حاصلًا في ذلك الحدّ ، فيكون حصوله في أيّ وقتٍ فرضته قاطعاً لمسافةٍ ما ، وهو بعد في القطع . وهذا هو صورة الحركة الموجودة في المتحرّك ، وهو توسّط بين المبدأ المفروض والنهاية ، بحيثّ أيّ حدٍّ يُفرض فيه لا يوجد قبله ولا بعده فيه لا كحدّي الطرفين ، فهذا التوسّط هو صورة الحركة وهو صفةٌ واحدةٌ تلزم المتحرّك ولا تتغيّر البتّة ما دام متحرّكاً » « 1 » .
وقد تقدّم في ثنايا البحث مراد الشيخ من الحركة التوسّطيّة وهي : كون الشيء بين المبدأ والمنتهى بحيث : أيّ حدّ فُرضَ من حدود المسافة لا يكون قبله ولا بعده فيه . أمّا الحركة القطعيّة فهي وجودٌ متّصلٌ ممتدّ ، وهذا الوجود الممتدّ لا وجودَ له في الخارج .
وناقش هذا القول - لابن سينا - صاحب القبسات ، والفخر الرازي ،
هامش
( 1 ) الشفاء ( الطبيعيّات ) ، السماع الطبيعي : ج 1 ص 84 .