وأمّا سوء التأليف على مستوى المادّة فما يكون بحيث إذا رتّبت المعاني فيه على وجه يكون صادقاً لم يكن قياساً ، وإذا رتبت على وجه يكون قياساً لم يكن صادقاً ، كقولنا : ( كلّ إنسان ناطق من حيث هو ناطق ، ولا شيء من الناطق من حيث هو ناطق بحيوان ) إذ مع إثبات قيد ( من حيث هو ناطق ) فيهما تكذب الصغرى ؛ إذ الناطق من حيث هو ناطق ناطق لا غير ؛ لأن كلّ ماهية من حيث هي ، ليست إلّا هي ، وكلّ شيء في مرتبة ذاته ليس إلّا ذاته ، والأجزاء المحمولة متغايرة المفاهيم ، فكلّ إنسان ناطق لا بشرط ، وليس ناطقاً بشرط لا ، ومع حذفه تكذب الكبرى ، وإن حذف من الصغرى وأثبت في الكبرى لتصدقا ، اختلفت صورة القياس ؛ لعدم اشتراك الأوسط ( « 1 » ) .
وأمّا المتعلّق بالصورة فهو فيما لو جاء ضرباً غير منتج ؛ وذلك لعدم توفر شرائط الانتاج فيه ، كما لو تألّف من جزئيتين ، أو سالبتين .
لذلك قال ( قدّس سرّه ) : [ وهو - كما تقدّم - أن يقع خلل في تأليف القياس إمّا من جهة مادّته أو صورته ] وهو يعزّز القول بأن المنطق يعنى بشؤون القياس من صورة ومادّة ؛ وذلك لأن الغرض المرجوّ من القياس لا يتحقق من دون سلامةكلّ منهما . [ إذ يكون خارجاً على القواعد المقرّرة للقياس والبرهان والجدل ] ، حيث لا برهان ولا جدل مثمر من دون صحّة صورة ومادّة كلّ منهما [ ويعرف سوء التأليف من معرفة شرائط القياس ، فإنّه إذا عرفنا شرائطه وقواعده ، فقد عرفنا الخلل بفقد واحد منها ] ، وذلك على مبدأ : اعرف الحقّ تعرف أهله ، وهنا تكمن ميزانيّة علم المنطق ودوره في تقييم الأفكار ومعرفة الصحيح وتمييزه عن السقيم [ وهذا قد يكون واضحاً جليّاً ، وقد يكون خفيّاً دقيقاً ، وقد يبلغ الخلل من الخفاء درجة لا تنكشف
هامش
( 1 ) شرح المنظومة ، قسم المنطق ، مصدر سابق : ص 349 - 350 . .