العلم ، وذلك من ناحيتين :
1 . أنّه قد يتمكّن الباحث من النجاة من الوقوع في الغلط ويحفظ نفسه من الباطل ، لأنّه إذا عرف مواقع المغالطة ومداخلها يعرف الطريق إلى الهرب من الغلط والاشتباه .
2 . أنّه بها قد يتمكّن من مدافعة المغالطين وكشف مداخل غلطهم .
وعلى هذا ففائدة الباحث من تعلّم صناعة المغالطة كفائدة الطبيب في تعلّمه للسموم وخواصّها ، فإنّه يتمكّن بذلك من الاحتراز منها ، ويستطيع أن يأمر غيره بالاحتراز ويداوي من يتناولها .
ثمّ لهذه الصناعة فائدة أخرى ، وهي أن يقدر بها على مغالطة المغالط ومقابلة المغالطين المشعوذين بمثل طريقتهم ، كما قيل في المثل المشهور : إنّ الحديد بالحديد يفلح ( « 1 » ) ] أي الحديد يشق الحديد .
[ وقد سبق أن قلنا : إنّ البشر مرتكس إلى قمّة رأسه بالمغالطات والخلافات ، فما أحوج طالب الحقّ السابح في بحر المعارف أن يزيح عنه الزبد الطافح على الماء ] أي على ماء الحقيقة [ من رواسب غلطات الماضين ، بمعرفة ما يصطنعه المغالطون من أوهام .
ولكن ذوي الطباع السليمة والآراء المستقيمة في غنى عن معرفة مواضع الغلط بتعلّم القوانين والأصول في هذه الصناعة ] فإنّ بعض الناس زوّدهم الله بفطرة سليمة وقدرة على تمييز الحقّ عمّا يشبهه ، ومثل هؤلاء لا يحتاجون إلى تعلّم قوانين وأصول صناعة المغالطة [ فإنّ لهم بمواهبهم الشخصية الكفاية ، وإن كان لا تخلو هذه الصناعة من زيادة بصيرة لهم ] .
هامش
( 1 ) الفَلَحُ بفتحتين : الشقّ ومنه الفلّاح للحراث الذي يشقّ الأرض . ( منه قدس سره ) . .