ليس في زماننا هذا ، ولعلّ الأمر الذي أعطى الشاعر أهمية أكثر من غيره هو دوره في الأزمنة الغابرة حيث كان يعدّ الشاعر وزير إعلام القبيلة ؛ يدافع عن مجدها ويُعلي من شأنها بين القبائل من خلال تعداد مكارمها ومآثرها وأيّامها الخالدة ، ويردّ كيد من يكيد لها ، الصاع صاعين ، هذه الحاجة الماسّة للشاعر ساهمت في توجيه الأنظار إليه ، وقد أخذت الفضائيات دور الشاعر في هذا الزمان ، حيث إذا أرادت قبيلة عربية - أي دولة عربية ، حيث إنّ الحكم في القرن الواحد والعشرين هو حكم قبلي تباركه وتدعمه الدول التي تعطي دروساً في الديمقراطية - أن تنال من أخرى ، فما عليها إلَّا أن تفتح نيران فضائيتها أو فضائياتها على القبيلة الأخرى ، ثم تلتقي القبائل في قمم تتحدّث عن التضامن والوقوف صفّاً واحداً في وجه عدوّ يبادله معظمهم الودّ والولاء من خلال قنوات سريّة للغاية ، وذلك إلى حين .
[ وقد وجدنا العرب كيف كانت تعتزّ بشعرائها فإذا نبغ في قبيلة شاعر أقاموا له الاحتفالات ، وتهنّئها به القبائل الأخرى . ولو كان يتمكّن أكثر الناس من أن يكونوا شعراء لما صحّت منهم هذه العناية بشاعرهم ولما عدّوه نبوغاً ] . تقدّم آنفاً أن الحاجة إلى الشاعر كان لها الدور الأكبر في توجّه الأنظار إليه والعناية به ، فلو تمكّن أكثر الناس من أن يكونوا شعراء في زماننا هذا ، لما لقوا ما كان يلقاه الشاعر قديماً من تقدير وتبجيل .
[ غير أن هذه الموهبة - كسائر المواهب الأخرى - تبدأ في تكوينها في النفس كالبذرة لا يحسّ بها حتّى صاحبها ، فإذا اكتشفها صاحبها من نفسه صدفة وسقاها بالتعليم والتمرين تنمو وتستمرّ في النموّ حتّى قد تصبح شجرة باسقة تؤتي أكلها كلّ حين ] .
لقد اعتمد ( قدس سره ) في تقريب معنى معقول على التشبيه بالمحسوس ، فكما أنّ البذرة لكي تشقّ طريقها في صراط الشجرية لابدّ لها من عناية
شرح كتاب المنطق — صفحة 299
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٩٩