تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب المنطق — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦

من أين تتولد ملكة الشعر ؟

لا يزال غير واضح لنا سرّ ندرة الشعراء الحقيقيين في كلّ أمّة ، بل لا تجد من كلّ أمة من تحصل له قوة الشعر في رتبة عالية ، فينبغ فيه ويتمكّن من الإبداع والاختراع ، إلّا النادر القليل وفي فترات متباعدة قد تبلغ القرون . ومن العجيب أن هذه الملكة - على ما بها من اختلاف في الشعراء قوة وضعفاً - لا تتولّد في أكثر الناس وإن شاركوا الشعراء في تذوق الشعر وممارسته وتعلمه . وكلّ ما نعلمه عن هذه الملكة أنها موهبة ربّانية كسائر مواهبه تعالى ، التي يختصّ بها بعض عباده ، كموهبة حسن البيان أو الخطابة أو التصوير أو التمثيل . . . وما إلى ذلك ممّا يتعلّق بالفنون الجميلة وغيرها . ومن أجل هذا الاختصاص الربّاني ، اعتُبر الشعراء نوابغ البشر . وقد وجدنا العرب كيف كانت تعتزّ بشعرائها ، فإذا نبغ في قبيلة شاعر أقاموا له الاحتفالات وتهنّئها به القبائل الأخرى . ولو كان يتمكّن أكثر الناس من أن يكونوا شعراء ، لما صحّت منهم هذه العناية بشاعرهم ولما عدّوه نبوغاً . غير أن هذه الموهبة - كسائر المواهب الأخرى - تبدأ في تكوينها في النفس كالبذرة لا يحسّ بها حتّى صاحبها فإذا اكتشفها صاحبها من نفسه صدفة وسقاها بالتعليم والتمرين ، تنمو وتستمرّ في النمو ، حتّى قد تصبح شجرة باسقة تؤتي أكلها كلّ حين . ولكن اكتشاف الموهبة ليس بالأمر الهيّن وقد يكتشفها الغير العارف قبل صاحبها نفسه . وقد تذوي وتموت المواهب في كثير من النفوس إذا أهملت في السنّ المبكر لصاحبها .