هل هناك قاعدة للقضايا المخيلات ؟
قد تقدّم أن قوام الشعر بثلاثة أمور : الوزن والألفاظ والمعاني المخيّلة ، فلابدّ لمن يريد أن يتقن صناعة الشعر من الرجوع إلى القواعد التي تضبط هذه الأمور فنقول : أمّا ( الوزن والألفاظ ) فلها قواعد مضبوطة في فنون معروفة يمكن الرجوع إليها ، وليس في علم المنطق موضع ذكرها ؛ لأنّ المنطق إنما يهمّه النظر في الشعر من ناحية تخييلية فقط .
وأمّا ( الوزن ) من ناحية ماهيّته فإنما يبحث عنه في علم الموسيقى . ومن ناحية استعماله وكيفيته ، فيبحث عنه في علم العروض .
وأمّا ( الألفاظ ) فهي من شأن علوم اللغة وعلوم البلاغة والبديع .
وعلى هذا ، فلابدّ للشاعر من معرفة كافية بهذه الفنون ، إمّا بالسليقة أو بالتعلم والممارسة ، مع ذوق يستطيع به أن يدرك جزالة اللفظ وفصاحته ، ويفرّق بين الألفاظ من ناحية عذوبتها وسلاستها . والناس تتفاوت تفاوتاً عظيماً في أذواقها ، وإن كان لكلّ أمة ولكلّ أهل لغة ، ذوق عامّ مشترك . وللممارسة وقراءة الشعر الكثير ، الأثر الكبير في تنمية الذوق وصقله .
أمّا القضايا المخيّلات فليس لها قاعدة مضبوطة يمكن تحريرها والرجوع إليها لأنّها ليست من قبيل القضايا المشهورات والمظنونات يمكن حصرها وبيان أنواعها ؛ إذ القضايا المخيّلات - كما سبق - كلما كانت بعيدة نادرة وغريبة مستبعدة ، كانت أكثر تأثيراً في التخييل والتذاذ النفس . وقد سبق أيضاً بيان السبب الحقيقي في انفعال النفس بهذه القضايا .
وعليه فالقضايا المخيلات لا يمكن حصرها في قواعد مضبوطة ، بل ( الشعراء في كلّ وادٍ يهيمون ) . وليس لهم طريق واحد مستقيم معلوم .