النوادر والمضحكات تثير النفس وتفعل بها .
فإذا ما تكررت النوادر فلا تبقى نوادر بل صارت أموراً أكثرية ، وبالتالي لا تكون من الأمور المستغربة ، وكذلك المضحكات .
[ وإذا قيل في بعض الشعر أنه هو المسك ما كرّرته يتضوّع فهو من مبالغات الشعراء . وإذا صحّ ذلك فيمكن ذلك لأحد وجهين :
( الأوّل ) أن يكون فيه من المزايا والنكات ما لا يتّضح لأوّل مرة أو لا يتمثّل للنفس جيّداً . فإذا تكررت قراءته ، استمري أكثر ، وانكشفت مزاياه بصورة أجلى ، فتتجدّد قيمته بنظر المستمع .
( الثاني ) أن عذوبة اللفظ وجزالته لا تفقد مزيتها بالتكرار وليست كالتخييل ] .
هذا منه ( رحمه الله ) دفع إشكال يورد على ما تقدّم وهو أن النوادر والمضحكات لا تبقى مستغربة مثيرة للنفس فيما لو تكرّرت ، حيث قد يشكل البعض فيقول إننا لا نجد هذا في موارد عدّة ، من جملتها بعض الشعر الذي لا نملُّ من تكرار قراءته وترديده ، وفي كلّ مرة نلتذّ بل لعلنا نزداد لذةً به كلّما قرأناه ، وقد قيل في هذا : إن الشعر كالمسك ، حيث إن المسك كلّما هززت قارورته انتشرت رائحته ، وذلك الشعر كلما كرّرت قراءته ازداد الأنس والالتذاذ به . فيجيب ( رحمه الله ) أوّلًا أن هذا التشبيه غير صحيح حقيقة وإنما هو كناية عن رقّي الشعر وروعته .
وثانياً : لو كان هذا الأمر صحيحاً بحيث كلما كرّرنا الشعر ازددنا به شغفاً وتذوّقاً ، فإنه ليس للاستغراب ، وذلك لأن الاستغراب يزيله التكرار ، وإنما هذا يرجع إلى أحد أمرين :
الأوّل : لبقاء الاستغراب مع التكرار وقد علمت أن الاستغراب هو سبب انفعال النفس وتأثّرها .
شرح كتاب المنطق — صفحة 288
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٨٨