تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب المنطق — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
صدق هذا القول فيه ، بالرغم من إلحاحه وقال له ما ذهب مثلًا من أبيات :
قد قيل ذلك إن حقّاً وإن كذباً * فما اعتذارك من قول إذا قيلا
واعتبر ذلك أيضاً في تصوير الإنسان بهذه الصورة اللفظية البشعة ( أوّله نطفة مذرة ، وآخره جيفة قذرة . وهو ما بين ذلك يحمل العذرة ) . فإن هذه صورة حقيقية للإنسان ولكنها ليست كلّ ما له من صور ، وللنفس على كلّ حال محاسنها التي ينبغي أن يعجب بها ، لاسيّما من صاحبها ، وإعجاب المرء بنفسه وحبّه لها أساس حياته كلّها . ولكن مثل ذلك التصوير البشع يأخذ من النفس أثره من التنفّر والاشمئزاز حتّى لو كان أبعد شيء في التأثير في التصديق والاعتقاد بحقارة النفس . وسبب هذا التأثّر النفسي هو التخييل الذي قد يقلع المتكبر عن غطرسته ويخفّف من إعجابه بنفسه . وهذا هو المقصود من مثل هذه الكلمة . واعتبر أيضاً بالشعر العربي ، فكم رفع وضيعاً أو وضع رفيعاً ، وكم أثار الحروب وأورى الأحقاد ! وكم قرّب بين المتباعدين وآخى بين المتعادين ! ورب بيت صار سبّة لعشيرة ، وآخر صار مفخرة لقوم . على أن كلّ ذلك لم يغيّر واقعاً ولا اعتقاداً . ومردّ ذلك كلّه إلى الانفعالات النفسية وحدها ، وقد قلنا إنها أعظم تأثيراً على الجمهور الذي هو عاطفي بطبعه ، وعلى الأفراد غير المهذّبة التي تتغلّب عليها العاطفة أكثر من التبصّر . والخلاصة : إن التصوير والتخييل مؤثّر في النفس وإن كان كاذباً بل - وقد سبق - كلما كانت الصورة أبعد وأغرب ، كانت أبلغ أثراً في إعجاب النفس والتذاذها . وأحسن مثال لذلك قصص ألف ليلة وليلة ، وكليلة ودمنة ، والقصص في الأدب الحديث . والسبب الحقيقي لانفعال النفس بالقضايا المخيّلات ، الاستغراب الذي