تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب المنطق — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩

القضايا المخيلات وتأثيرها

ونزيد على ما تقدَّم فنقول : إن المخيّلات ليس تأثيرها في النفس من أجل أنّها تتضمّن حقيقة يُعتقد بها ، بل حتّى لو علم بكذبها فإنّ لها ذلك التأثير المنتظَر منها ؛ لأنّه ما دام أن القصد منها هو التأثير على النفوس في إحساساتها وانفعالاتها ، فلا يهمّ ألّا تكون صادقة ؛ إذ ليس الغرض منها الاعتقاد والتصديق بها . والجمهور والنفوس غير المهذَّبة تتأثّر بالمخيّلات أكثر من تأثّرها بالحقائق العلمية ، لأن الجمهور أو الفرد غير المهذّب عاطفيّ أكثر من أن يكون متبصِّراً ، وهو أطوع للتخييل من الإقناع . ألا ترى أن الكلام المخيّل الشعري قد يحبّب أمراً مبغوضاً للنفس ، وقد يبغّض شيئاً محبوباً لها . واعتبر ذلك في اشمئزاز بعض الناس من أكلة لذيذة قد أقبل على أكلها ، فقيل له : إنه وقع فيها بعض ما تعافه النفس كالخنفساء مثلًا ، أو شبّهت له ببعض المهوّعات ، فإن الخيال حينئذ قد يتمكّن منه فيعافها حتّى لو علم بكذب ما قيل . ولا تنسَ القصّة المشهورة لملك الحيرة النعمان بن المنذر مع نديمه الربيع وقد كان يأكل معه ، فجاءه لبيد الشاعر وهو غلام ، مع قومه للانتقام من الربيع في قصة مشهورة في مجامع الأمثال ، فقال لبيد مخاطباً للنعمان :
مهلًا أبيت اللعن لا تأكل معه * إن استه من برص ملمّعه وإنه يدخل فيها إصبعه * يدخلها حتّى يواري أشجعه
فرفع النعمان يده من الطعام وتنكّر لنديمه هذا ، وأبى أن يستكشف