المذموم ما دام هو ليس مراداً جدّياً يراد الإخبار عنه حقيقة .
مثلًا : قد يشبّه الشعراء الخصر الدقيق بالشعرة الدقيقة فهذا تصوير لدقّة الخصر . فإن أريد به الإخبار حقيقة وجدّاً عن أن الخصر دقيق كالشعرة ، أي أن المراد الجدّي هو ذلك ، فهو كذب باطل وسخيف ] وكذلك قول دوقلة المنبجي صاحب اليتيمة :
ولها بنان لو أردتَ له * عقداً بكفّك أمكن العقد
فلو أراد الإخبار كذلك ، لكان إخباره من الكذب الذي لا يطاق ولا يُتحمَّل ؛ إذ كيف يمكن لأحد ان يعقد بنانَ آخر كما لو كان خيطاً ؟ ! [ وليس فيه أيّ تأثير على النفس ولا تخييل ، فلا يعدُّ شعراً ] وذلك لأنك عرفت أن قوام الشعر بالتخييل والتصوير .
[ ولكن في الحقيقة أن المراد الجدّي منه إعطاء صورة للخصر الدقيق لبيان أن حسنه في دقّته يتجاوز الحدَّ المألوف في الناس ] وهكذا كان مراد صاحب اليتيمة ، حيث أراد أن يصوّر أن أصابع المحبوبة بلغت من اللين والنضارة فوق الحدّ المألوف في لين الأصابع .
[ وإنما يكون هذا كاذباً إذا كان الخصر غير دقيق ، لأن الواقع يخالف المراد الجدّي . أمّا المراد الاستعمالي وهو التشبيه بالشعرة فهو كاذب ولا ضير فيه ولا قبح ما دام المراد به التوصّل إلى التعبير عن ذلك المراد الجدي بهذه الصورة الخيالية ] . إذن هذا من الروعة في مكان حيث يكون الكذب داعماً للصدق ، بل ولا يحلو الصدق من دونه ، بل كلما اشتدّ الكذب إيغالًا ، ألقى رونقاً على الصدق ورواءً .
[ وبمثل هذا يكون التعبير تخييلًا مستغرباً وصورة خيالية قد تشبه المحال ، فتجلب الانتباه وتثير الانفعال لغرابتها ] وهذا ما تقع عليه لدى وقوفك على لون من ألوان التشبيه المسمّى بالتشبيه الضمني حيث « لا يوضع